ما الذي يعنيه أن تكون ضحية لأمر ما؟

قبل أن أبدأ، عليّ الإشارة من البداية وبشكل قاطع أنني لست دارساً لعلم النفس بشكل يؤهلني لتقديم آراء قاطعة وإثباتات علمية تدعم كلامي بالمطلق، ولا أقصد بهذا المقال إجراء بحث أو إثبات نظرية أو إيصال فكرة أؤمن بها إيماناً قاطعاً لا يقبل الطعن. على العكس، المقال مجرد طرح أفكار قابلة للنقد والطعن والتغيير ولكنّه في نفس الوقت تعبير عن الكثير من الأفكار والرؤى التي أمتلكها في الوقت الحاليّ. ولهذا، قبل قراءتك لأي شيء، أتمنى أن تكون على نفس القدر من الإنفتاح والتقبّل.

مفهوم الضحية/الظالم (المُضْطَهِد والمُضْطَهَد إذا كنت تفضل كلمات أكثر فصاحة):

مفهوم الضحية والظالم أو المعتدي هو مفهوم موجود منذ بداية البشرية، لطالما كان هناك معتدين وضحايا منذ بداية الخلق، يمكننا الاستشهاد هنا بقصّة قابيل وهابيل -ابنيّ آدم- الموجودة في الديانات السماوية والتي قتل فيها الأخ قابيل أخاه، وأصبح أحدهما هو الضحية والآخر هو الظالم. منذ تلك البداية -أو ربما قبلها- بدأ مفهوم الظلم بالانتشار بين البشر.

المفهوم بذاته ليس أمراً سيئاً بوجهة نظري، على العكس تماماً، من الضروري جداً معرفة المعتدي والضحية في صراع ما لأخذ القرار الصائب للقيام بالفعل الصائب. علينا أولاً تعريف الظلم، ووضع قوانين تمنعه، ومن ثم تحديد من يخرق هذه القوانين ونعته بالمعتدي، ومن تسلب حقوقه بسبب هذا الاعتداء وننعته بالضحية. المفهوم الرئيسي للضحية والمعتدي يكمن بمعرفة الحق، والشخص الذي يجب أن يعود إليه.

ما الذي دفعني لكتابة هذا؟

بدأت التفكير بالكتابة عن موضوع الظلم واتخاذ دور الضحية قبل بضعة أيام بعد تفكير طويل بمجموعة من الأشخاص المحيطين بي. هؤلاء الأشخاص امتلكوا مجموعة مختلفة جداً من المشاكل، تنوعت بين مشاكل الدراسة، المشاكل المادية، المشاكل النفسية والمشاكل العائلية. بالطبع، لديّ قانون شخصي يجعلني أبتعد عن محاولة العبث بمشاكل الآخرين، ولكنني مهتم جداً بالنظر لهذه المشاكل من بعيد والحكم عليها من الخارج.

هناك الكثير من المسببات لهذه المشاكل، وهي أمور ربما أتطرق لها بمقالات آخرى مفصّلة أشرح فيها لماذا تماماً أعتقد أن أغلب هذه المشاكل تأتي من أشياء اعتيادية يمكن أن تحصل لأيّ منّا. بأي حال، ما جذب انتباهي أكثر من هذا هو أنواع “دمى الضرب” التي اخترعها أصحاب هذه المشاكل ووجهو الانتقادات لها، والتي تنوعت بين الشخصيات السياسية، الشخصيات العائلية، اشياء مادية، وفي أغلب الأحيان كانت تلك الأشياء لا علاقة مباشرة لها بالمشكلة، كأن تلوم ارتفاع أسعار الدولار على سوء علاقتك بأخيك الكبير مثلاً.

هناك العديد من الجذور التي يمكن تتبعها بالقليل من الحديث لتصل للبّ الفكرة التي يؤمن بها صاحب هذه المشكلة، والتي يعتقد أنها بالنهاية هي محور كل المشاكل. أحد المحاور التي وصلت لها كثيراً من المرات مع الكثير من الاشخاص -مجدداً، لست معالجاً نفسياً ولست دارساً لعلم الاجتماع، وافكاري كلها مبنية على أحكام شخصية- كانت القضية المحورية لدى الكثير من الاشخاص تستند إلى كونهم ضحايا لا قوّة لهم امام هذه المشاكل.

وقد يكون هذا صحيحاً في كثير من الحالات، ولكنني سأتحدث عن خطورة هذا الأمر على النفس، وسأروي محاولتي بتقمّص دور الضحية وكيف أثّر ذلك على حياتي.

المشكلة في كونك ضحيّة:

يمكننا النقاش مطولاً حول كوننا ضحايا أو لا، ويمكننا النقاش أيضاً عن كون كل من على الأرض ضحية لأمر ما أو لا. هذين النقاشين ليسا من الأشياء التي يمكن حسم الأمر فيها بكلمة أو كلمتين، هناك صفحات وصفحات من النقاشات الجيدة التي تدعم وجهتي النظر، ويمكنك اختيار أحدها بعد قراءة إن أردت. ما يمكننا النقاش حوله هو تأثير تفكير الضحية المستمر على الإنسان، وهل هو أمر جيد أم لا.

كشخص يعيش خارج بلده، ولدي تواصل لا بأس به مع الأشخاص في محيطي، وبعد إجراء بعض التصويتات -التي لا قيمة علمية حقيقية لها إن لم تكن على مجال أوسع- وجدت أن الأشخاص المغتربون أكثر ميلاً لاتخاذ دور الضحية، أو اكثر ميلاً لاعترافهم بكونهم ضحايا لأمر ما أو شخص ما. الأمر بذاته يبدو ذا نطاق أوسع مما يمكن استخراج النتائج منه، لهذا طلبت القليل من التفسير.

تفسير إجابة “هل أنت ضحية” بنعم كان يصبّ في كثير من مجالات الحياة مجدداً. بعضها يتعلق بالدراسة، الآخر يتعلق بالحرب الدائرة في الوطن العربيّ، الأخرى تعلقت بالحياة العائلية، الأوضاع الماديّة، وأشياء أخرى. في نفس الوقت، الكثير من المغتربين كانوا قاطعين تماماً برأيهم أنهم “ليسو ضحايا” دون أي تردد. ولكن الفئة الأكبر كانت المؤمنة بكونها ضحيّة.

هل يمكنني نفي كونهم ضحايا؟ لا. بالطبع. ولكن المشكلة تكمن في تحوّل هذه الفكرة إلى هاجس يمنع حركة هؤلاء الأشخاص إلى الأمام. كشمّاعة يمكنهم تعليق أي فشل أو أي مشكلة تحدث حولهم عليها. الأسوأ من هذا والمرحلة التالية في تقمّص دور الضحية تنقلك من المتقبل للحال، إلى المفتعل له. والتي تجعل متقمّص دور الضحية يحاول افتعال أحداث درامية حوله ليعزز هذا الشعور لديه.

وهل يمكنني القول أنّهم يتقمصون دور الضحية بالكامل؟ أيضاً لا. على الأقل ليس الكل.

السبب في ذلك أن فكرة الضحية مريحة آنياً في كثير من الأحيان. وهذه كانت نتيجة تقمّصي لدور الضحية لأشهر عديدة. من السهل جداً تعليق كل المشاكل التي تدور في حياتك على أمر ما خارج عن سيطرتك الشخصية. يمكنك أن تفلت من عقاب وتأنيب ذاتك عدداً غير محدود من المرات بمجرد استخدام عذر “الذنب ذنب اكس الفلانيّ، أنا مجرد ضحيّة لهذا”.

في كثير من الأحيان، كانت الأشياء فعلاً خارجة عن سيطرتي الشخصية، كتأخر وصول أموال أنتظرها، أو بعض المشاكل في الشبكة الكهربائية. كنت حينها ضحية الحظ السيء إن جاز التعبير، وشعرت بارتياح آنيّ كبير كوني لا أمتلك رفعاً لما يحدث بأي شكل من الأشكال. المشكلة كانت في الأحيان التي كان يمكنني السيطرة عليها وفضّلت اختيار “انا الضحية هنا” عوضاً عن “يمكنني فعل امر ما لأخرج من خانة الضحية” وبعد تكرار هذا الأمر لمرات متعددة بدأت الابتعاد عن دور الضحية.

هل كانت تجربة مسيطر عليها بالكامل؟ بمعنى هل كنت أدرك أنني العب دور الضحية؟ لا، هناك بإمكاني الإدعاء أنّي لم أكن مقتنعاً بكوني ضحية بالكامل حينها قدر ما شئت ولكن كلما تذكرت تلك الفترة، أتذكر أنني كنت مقتنعاً تماماً بما كنت أقوله.

بأي حال، انتهى الأمر بملاحظتي اربع مراحل لتقمّص دور الضحيّة، من التقمّص الطبيعي الذي يساعدك على متابعة تقدمك، وحتى التقمص الذي يمنعك من القيام بأي شيء كان.

المرحلة الأولى هي التي تفسر فيها الظلم على أنه ظلم، وتدرك تماماً متى يحق لك أن تكون ضحيّة، عندما ينتهك أحدهم حقوقك بطريقة مباشرة، يمكنك في هذه المرحلة تحديد الظلم، مسببه، وفيم أثّر عليك بشكل مباشر. كأن تتعرض للسرقة وتعرف أن السارق هو من ظلمك بسرقة ما تملكه.

المرحلة الثانية تنتقل فيها لتعليق الأمور الخارجة عن سيطرتك على الظلم، يمكنك اتخاذ دور الضحية عند انقطاع التيار الكهربائي، أو تأخر وصول البريد، أو تعطّل حافلة المدرسة في منتصف الصحراء. وفي هذه المرحلة يمكنك استخدام دور الضحية للشعور بالسلام اللحظي بدلاً من التوتر الناتج عن المواقف المشابهة. المشكلة هنا أن المرحلة الثانية منحدر منزلق نحو المراحل الأخرى سواء أحببت ذلك أم لا.

المرحلة الثالثة تبدأ فيها لوم الظواهر الماضية على كونك ضحيّة، كرسوبك في الامتحان أو فاتورة الكهرباء المرتفعة. قد تبدو هذه الظواهر خارجة عن قدرتك في المرحلة السطحية ولهذا من السهل خلطها مع الأشياء التي ذكرتها سابقاً، ولكنها ليست كذلك، رسبت بالامتحان لأنك لم تجهّز بالطريقة الصحيحة، وأتتك فاتورة مرتفعة لأنك لم ترشّد استهلاكك.

المرحلة الرابعة والنهائية هي المرحلة التي تعلّق فيها كل مشاكل حياتك، وكل ما لا تريد فعله -وعادة، البشر لا يريدون فعل شيء سوى الراحة- وتسند كل هذه المشاكل إلى كونك ضحيّة. ستتوقف عن الاهتمام بأغلب نواحي حياتك، وستبرر للجميع مشاكلك بأنك ضحية؛ ضحية للعنف المنزلي، للحرب، للماسونية العالميّة، ولبائع الحليب في آخر الشارع.

المرحلة الرابعة ستجعلك أيضاً تسعى لتثبيت صورتك كضحية في نظرك ونظر من حولك، ولهذا بنظري هي من أصعب المراحل للخروج منها، من الصعب وصول أحدهم لمرحلة تقمّص دور الضحيّة لدرجة تجعله يفتعل المشاكل ويحاول الخوض بالدراميّات كي يثبت لمن حوله ولنفسه أولاً أنه ضحيّة لأمر ما. وأنه يتعرض للظلم، وأن كل مشاكل حياته سببها كونه ضحيّة.

وما المشكلة من هذا؟

حسناً، لا مشكلة فعلية في هذا. لكل شخص الحريّة في طريقة عيشه لحياته وطريقة تعامله مع الآخرين حوله وطريقة رؤيته لنفسه وعرضه لصورته أمام الآخرين. المشكلة بنظري تكمن في كون مفهوم الضحيّة لم يعد مجرد مفهوم شخصيّ يقتصر على مجموعة من الأشخاص، بل هو أسلوب حياة مجتمع كامل، إن لم يكن بأكمله فبالجزء الأعظم منه.

يمكننا أن نقول أن تقمّص شخص ما لدور الضحية لا يضرّ بشكل مباشر من حوله، يمكننا أن نتناقش أيضاً إن كان تقمّصه هذا مؤذياً له أم لا -وهو برأيي الشخصي مؤذٍ جداً- ولكن لا يمكننا نفي ضرر هذا الأسلوب في التفكير عندما يكون معتمداً في مجتمع كامل.

ولا أجمع هنا كل المجتمعات في كل الوطن العربي، لنقل انني أشمل في هذه الفقرة المجتمع المحيط بي، المجتمع المهاجر في بلد غريبة بعد صدمة حرب أهلية عنيفة استمرت لثمانية سنوات.

عند تقمّص المجتمع لدور الضحية وتعليم هذا الدور للأطفال في المدارس، جعل البلاد ضحيّة لعداوات خارجية مفتعلة، أو جعل الثقافة ضحية لثقافات خارجية ربما لا وجود لها، تشميع كل الفشل والمشاكل التي تمر بها البلاد على شمّاعة المؤامرة الكونية التي تضع عصاها في عجلة التقدم والكثير من العبارات المنمقة الأخرى التي تلقي اللوم على الآخرين دون تحديد فعليّ لمساهتمهم المباشرة في المشكلة، كل هذا يجعل من دور الضحية أكثر جاذبية بين المزيد من أفراد المجتمع، إن كانت الدولة بأكملها ضحية فما المشكلة بكون أفرادها أيضاً بدورهم ضحايا.

عند الحديث عن مجتمع يضع دور الضحية كجزء من دستوره الاجتماعي الخاص، ويعامله على أنه أمر معتاد، ويحاول تصديره ليشمل الحياة الدينية للأفراد والحياة الاجتماعية الشخصية لهم، نحن نتحدث ايضاً عن مجتمع يبرر تخلّف أفراده عن العمل، ويعطيهم الموقف الاخلاقي الأعلى مقارنة بغيرهم من المجتمعات، والحق بمقاضاة هذه المجتمعات وحمل النقمة عليها.

إن كنت تتسائل عن سبب وجود أشخاص متطرفين، سواء دينياً أو قومياً أو وطنياً، تذكر أن وراء كل من هؤلاء نظرية تقضي بكونهم ضحايا، وأنهم يرونك من برجهم الأخلاقي العالي، فهم الضحايا هنا، وهم المهاجمون، وكل من حولهم يحاول الاعتداء عليهم وسلبهم حقوقهم وتخريب ثقافتهم.

وماذا بعد؟

تقمص دور الضحية ليس مشكلة فردية فحسب، هو مشكلة مجتمعات كاملة، والجزء الأكبر من هذه المشكلة هو صعوبة الخروج منها. فدور الضحيّة دور يعطي صاحبه راحة آنية مشابهة للراحة المكتسبة بعد التدخين وتعاطي المخدرات، ولكنه مثلها تماماً سيؤثر بشكل أكيد على الشخص في المستقبل وسيكون هذا التأثير سلبياً في مجمله، إن لم يكن في كلّيته.

هل أقصد بكلامي السابق أن الضحايا الحقيقيين عليهم الصمت والسكوت عن الظلم والاعتداء؟ بالطبع لا. هل أقصد أن الضحايا الوهميين عليهم ان يصمتوا؟ أيضاً لا. ففي الحالتين يبقى الأمر حرية شخصية، ويبقى المجتمع انعكاساً لحالة أفراده. وربما أيضاً أكون مخطئاً في نظرتي لدور الضحية… أو أبالغ في رؤية الجانب السلبي فيه… الاحتمالات لا تنتهي.

الهدف من المقال كلّه اشعال فكرة صغيرة داخل رأس من يقرأ.

(قراءة متعلقة)

One thought on “ما الذي يعنيه أن تكون ضحية لأمر ما؟”

اترك رد