مراجعة كتاب IKIGAI والسر اليابانيّ للحياة الطويلة السعيدة

عليّ البداية بالقول أنّه لا يخفى على أيّ أحد يتابعني أو يتابع هذه المدونة أنني من المهتمين بالثقافة اليابانية، وفي نفس الوقت، يمكن القول أنني من أكثر الناس انتقاداً للتنمية البشرية في حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعيّة أو على أرض الواقع أو حتى في بعض تدويناتي. لهذا كان اختيار هذا الكتاب بالنسبة لي صعباً قليلاً، العنوان والمقدمة يدلان على أن الكتاب أقرب لكتب التنمية البشرية، وفي نفس الوقت، ارتباطه بالثقافة اليابانية جعلني أنجذب نحو قراءته.

باختصار، بدأت قراءة الكتاب بعد سنوات طويلة من درايتي بوجوده بعد ان سمعت (في أحد فيديوهات PewDiePie إن كنت أذكر جيداً) أن هذا الكتاب ليس كتاباً في التنمية البشرية، بل يتضمن الكثير من التفاصيل اللطيفة حول نمط الحياة اليابانيّ وبعض الأشياء الأخرى. وعلى هذا التوقع الجديد بدأت القراءة وأنا اتوقع التعرف بشكل أفضل على سر طول الحياة في اليابان مقارنة بالدول الأخرى، ولم يخيب الكتاب أملي على الإطلاق.

في 180 صفحة تقريباً يعالج الكتاب قضية الإيكيغاي في المجتمع اليابانيّ، وأقرب ما يقابلها في أي لغة أخرى هو “الهدف من الحياة”. الحالة التي يوازن فيها الشخص بين فائدة نفسه وفائدة من حوله، أثناء فعله ما يحب، بالطريقة الصحيحة. وفي النهاية يختم بمجموعة من النصائح التي يمكن لشخص يعيش في مدينة غربية حديثة، بعيداً عن اليابان، أن يقوم بها لتغيير نمط حياته للأفضل معتمداً على الفلسفة اليابانية في الحياة.

كما قلت في البداية، في النظرة الأولى يبدو الكتاب كأي كتاب تنمية بشرية آخر يحاول اعطائك مجموعة من النصائح التي يجب أن تعيش حياتك عليها، والأسوأ أنه عن “الثقافة اليابانية” التي يعلم الكثير من القراء (المتقدمون) العرب أن أغلب ما يكتب عنها هراء غير مدعوم بالمصادر، أو مبالغات غير منطقية، شكراً للشقيري على هذا.

ولكنه ليس كذلك على الإطلاق. الكتاب أقرب لبحث طبيّ نفسيّ مختصر، مربوط بثقافة الحياة اليومية اليابانية، مع مأخذ فلسفيّ على الموضوع وربط بالجانب الروحانيّ الموجود في الديانات المنتشرة في اليابان، البوذية والشينتو.

في هذا المقال سأحاول في البداية تلخيص ما يحاول الكتاب قوله في بضعة فقرات سريعة (طويلة بأي حال بسبب طول الكتاب) مع المحافظة على المحتوى المفيد بأكبر قدر ممكن، السبب وراء هذا التلخيص هو عدم توافر نسخة عربية من الكتاب على الانترنت، وصعوبة قراءة النسخة الانجليزية للبعض، ومن ثم اعطاء وجهة نظري عن الكتاب وكيف اثار بعض النقاط في رأسي، ولكن في النهاية، أنصح جداً بقراءة الكتاب حتى بعد قراءة الملخص، فالموجود فيه يستحق الوقت -القصير نسبياً- المنفق في قراءته.

(قررت لاحقاً تغيير هذا ووضع ملخص الكتاب في مكان آخر لمن يرغب بقراءته، يمكنك الوصول له من الرابط التالي.) بقية المقال عن نظرتي لما قرأته ومراجعة لما في الكتاب.

الكتاب بذاته

كما قلت في البداية، لست من معجبي التنمية البشرية على الإطلاق، وإن كان هذا الكتاب من كتب التنمية البشرية، فيسعدني إعادة النظر بموضوعها. تناول الكاتبان الموضوع بنضوج كبير دون انجذاب لتقديس الثقافة الياباني، الموضوعية في طرح المواضيع والابتعاد عن الهراء والمبالغة في الحديث عن الإيكيغاي أمر جميل جداً ولو أن عنوان الكتاب لا يوحي بهذا.

ما أسعدني جداً في الكتاب هو الاهتمام بالتفاصيل، وبذل الجهد في تقديم الأمثلة وجمع ما يكفي من المعلومات في الكتاب دون الحاجة لمراجعة مصادر أخرى، الأجزاء الفلسفية في الكتاب وأجزاء الحديث عن علم النفس كانت جيدة وجذابة، لدي معرفة مسبقة بالعلاج بالمعنى وكان الكتاب إضافة جميلة لما كنت أعرفه سابقاً، وهو يلخص النقاط المهمة في هذا الموضوع بشكل جيد.

الاعتماد على المقابلات في المدينة والملاحظات الصغيرة التي ملأت الكتاب والتي لم استطع ايصالها للملخص، ومن ثم الحديث المطول عن تمارين الجسد في فصل كامل مع الصور ومعاني هذه التمارين في ثقافاتها الخاصة، كان من افضل الأجزاء في الكتاب. بعد انتهائي من القراءة بدأت البحث عن التاي تشي الصيني، وعلى الرغم من أن التمارين معقدة جداً وتتضمن الكثير من التفاصيل، محاولة القيام بهذه التمارين أمر ممتع جداً.

أثناء قرائتي للكتاب كنت أحاول ربط ما أقرؤه بالحياة التي أعيشها الآن، ما يمكنني وما لا يمكنني فعله، ومن الجميل أن الكاتبان بذلا جهداً واضحاً في وضع ما يلائم اسلوب الحياة الحديث او اسلوب الحياة الغربي لمن يرغب بالتطبيق، مع نصائح عملية عن كل تفصيل. وليس فقط قصصاً مكررة كليشيهية لا تعني أي شيء.

ككل، الكتاب كان مفيداً جداً، وما تبقى من هذا المقال سيكون عبارة عن مأخذ شخصي على ما فيه، أنصح مجدداً بقراءته لمن لم يقرأه بعد.

الاسلام، الحياة في دمشق، والإيكيغاي.

ما جذب انتباهي أثناء حديث الكتاب عن الممارسات التي يحتاج الانسان القيام بها للوصول للإيكيغاي، سواء كانت الحمية الغذائية، التمارين الرياضية، الحاجة للشعائر، الهدف، وتفاصيل أخرى كثيرة، هو أن هذه التفاصيل موجودة في الإسلام بشكل أو بآخر، وليس حديثي من ناحية “اوه لقد اكتشفنا هذا قبل 1400 سنة” وانما من ناحية، انها من تفاصيل الاسلام التي يكاد بعض المسلمين يتجاهلها، ويقوم البعض بها على أنها واجب منزلي.

ولأكون عادلاً، الكثير من التفاصيل الأخرى موجودة في ديانات أخرى غير الاسلام، ولكن حديثي هنا انها موجودة في الإسلام ولا تلقى تطبيقاً واسعاً. ومن السهل على أغلب المسلمين القيام بها -كونها جزءاً من الديانة التي يؤمنون بها أصلاً-

الصلاة

الصلاة مثلاً في الاسلام تجمع بين الحركة، التأمل، والإشباع الروحي، ثلاث أشياء رئيسية تتميز فيها التمارين الرياضية المذكورة في الكتاب. والصلوات الخمس تقدم للجسد ما يكفي من الحركة والتمرين وتتيح للعقل الاسترخاء بما يكفي على طوال اليوم. أيضاً يمكن اعتبار الصلاة كشعيرة لبدأ العمل، وبهذا تقوم بأكثر من وظيفة في الوقت ذاته.

لسنوات طويلة استمر الوعظ للصلاة بطرائق مختلفة، وبعضها لم يكن مقنعاً لي شخصياً، وأعتقد أن الحديث عن الموضوع بطريقة مشابهة لما ذكر في الكتاب أكثر نجاحاً من الأسلوب الوعظي التقليدي الموجود حالياً في المجتمعات المسلمة. إضافة لهذا، الحديث عن كل الجوانب التي يمكن للصلاة إشباع النفس فيها روحانياً وجسدياً سيحول الصلاة من العادة والمهمة الصعبة التي يقوم بها الناس خمس مرات في اليوم، إلى شعيرة روحانية ذات هدف كما يفترض بها أن تكون.

الصيام

يتحدث الكتاب أيضاً عن قاعدتين غذائيات مشهورتين أيضاً في المجتمعات المسلمة، تناول ثلثيّ الحاجة من الطعام فقط، والصيام يومين في الأسبوع، إلا انهما غير مطبقتان في المجتمعات المسلمة بكثرة لنفس السبب مجدداً، فقدان التفسير الصحيح لهذه الروحانيات، فائدتها من الناحية الروحانية والجسدية، والربط بينها وبين الحياة.

الصيام في المجتمعات المسلمة تحول من عبادة تمتلك رسائل سامية وروحانية هائلة يقوم بها المسلم لربه خالصة، ويتناول فيها ما يكفيه من الطعام، إلى تقليد يظهر الترف ولا يخدم أياً من الأشياء التي وجد من أجلها. لا التزام بأكل ما يكفي من الطعام فقط، ولا التزام بشعائرية الصيام، وفي أحسن الأحوال انتقال أوقات الصيام من أوقات لدفع الحياة نحو الامام إلى أوقات لشدها نحو الخلف.

المجتمع

الكثير من التفاصيل المجتمعية المذكورة في الكتاب، كالتجمعات الصغيرة التي تقوم بأشياء لخدمة المجتمع الموجودة فيه، النشاطات في هذه المجتمعات وغيرها، أشياء متأصلة في الثقافة الدمشقية، أو على الأقل في الحي الذي ولدت فيه. “الجمعيات” التي يساعد فيها أفراد الحي بعضهم في جمع المال والحفلات التي يشارك فيها الجميع، التكافل بين الجيران في المصائب ودعم بعضهم لبعض في أغلب الأوقات. كلها أشياء كانت موجودة في المجتمع وأصبحت تضعف شيئاً فشيئاً، حتى قبل سنوات الحرب الأخيرة.

في تركيا، يمكن رؤية هذه الروابط في مراحل وفاتها الأخيرة، مع توجه المجتمع بشكل كبير نحو نمط الحياة الغربي، الأبنية المزدحمة والشقق الصغيرة والجيران الغرب لا يسمحون بهذا النوع من المجتمعات بالنشوء، وبينما يمكن العثور على تجمعات كهذه في الأحياء القديمة بين العجائز، لا يمكن القول أن الجيل الجديد يمشي بطريق يسمح باستمراريتها، وهذا محزن جداً.

الاسلام أيضاً يشجع على الرابطة الدينية بين الناس في المجتمع ذاته حتى لو كان مجتمعاً غريباً أو من ديانة أخرى، ومفاهيم التكافل الاجتماعي في الاسلام من الصدقة والمساعدة للفقراء كثيرة، ولكنها مجدداً تفهم بمفهوم ضيق جداً، سواء من ناحية كونها “أشياء يجب علينا فعليها” دون ادراك المعنى الحقيقي منها. الصدقة التي تتحول مع الزمن من طريقة لبناء العلاقات بين الطبقات المختلفة في المجتمع ذاته تتحول إلى واجب يجب القيام به بأسهل طريقة ممكنة، بتحويلة بنكية أو رسالة على الهاتف المحمول، والمشاركة في المجتمع كالحفاظ على نظافة الشوارع والمشاركة في تحسين الحدائق وغيرها أصبح أمراً تتكلف به الدولة، ويدمره الفرد – لسبب أو لآخر.

المشكلة أن ترك هذا النوع من الأشياء للدولة أو للجمعيات التي تؤتمت كل شيء ينزع الروح منه، ويجعله كأي شيء آخر في الحياة.

في نفس الوقت، لا يمكنني القول أن الوعظ التقليدي سيستطيع إيصال الأفكار التي ذكرتها سابقاً للأجيال القادمة، ولا حتى للأجيال الحالية ربما، الخلص السيء بين العلم والدين، الخرافات التي تكررت على المنابر الاف المرات، ومبالغة التعظيم في ثقافات الغير دون عرض ما يقابلها من ثقافتنا الاسلامية، لن يسمح أبداً لهذه العبادات والممارسات الروحانية لأن تعود إلى أصولها الأولى.

الإيكيغاي بحد ذاته ليس مفهوماً غريباً على الإسلام، إعمار الأرض -أحد أهم الوظائف البشرية من الفلسفة الاسلامية- تشجع الفرد على القيام بما يجيده، لإعمار الأرض، ولكن مع الزمن بدأ هذا المفهوم والمفاهيم المشابهة بالضعف بسبب تحويله إلى ذريعة للحديث بأشياء مختلفة، كدفع الناس نحو ما لا يرغبون بالقيام به، واستخدامه كتبرير لهذا الموضوع.

مع الزمن تحول تركيز المجتمع الاسلامي على فكر “القمة” الذي يجعل لمجموعة من الأفراد علاوة في موضوع “اعمار الارض” على غيرهم، وتناسي مفهوم “لا تحقرن من المعروف شيء” يقود بالنهاية لموت فكرة “الهدف من الحياة” شيئاً فشيئاً في هذا المجتمع.

الاسلام أيضاً يقدم الكثير من المفاهيم الفكرية الموجودة في ثقافات أخرى بأشكال أخرى، وبالطبع، اغلب هذه المفاهيم لها تأثيرات على طريقة الحياة وتدفع الانسان نحو أفضل وصول للإيكيغاي الخاص به. 

أثناء قرائتي للكتاب، أدركت بشكل أو بآخر أن الثقافات والديانات أغلبها تمتلك أهدافاً متشابهة وطرائق متشابهة للوصول إلى مستويات أعلى بالنفس البشرية، وبكل مقارنة وضعتها في رأسي بين الاسلام وما يذكر في الكتاب، كنت أرى فرصة ضائعة من المجتمع الذي كنت أعيش فيه ومن المجتمع الذي أعيش فيه الآن، للوصول إلى مكان أفضل.

لا أحاول في هذا الكلام أن “ادعو للاسلام” كون النقاش في هذا يحتاج وقتاً أكبر وتفاصيلاً اكثر، ولكن هو أقرب إلى فكرة لمن هو “مسلم سلفاً” كي يبدأ بتغيير نظرته نحو ما يقوم به – أو ما لا يقوم به، والفكرة الأكبر وراءه.

بعد الانتهاء من الكتاب

بعد انتهائي من قراءة الكتاب – وأثناء قرائتي له أيضاً، قررت تغيير الكثير من الأشياء البسيطة في حياتي، بداية من طريقة تعاملي مع المشاكل، وضع الحلول البديلة لأتخلص من القلق من المستقبل، وبدأت التفكير بجدية بالأمر الذي أرغب بفعله في هذه اللحظات. بعد تركي الكتابة لفترة طويلة عدت للكتابة، كونها من اكثر الأشياء التي استمتع به في حياتي حالياً، بدأت تعلم دارات الأردوينو كتحد صغير لذاتي، وقررت التأني أكثر في صلاتي، محاولاً الوصول لمعنى أكثر فيها.

عدا عن هذا، كان هذا الكتاب رحلة مذهلة على مدى أشهر طويلة، قراته فيها بتأني، بعد أن بدأت بداية قوية في فصوله الأولى قبل أن أدرك أن المحتوى فيه ليس “خفيفاً” على الإطلاق. سأبقي هذا الكتاب في مكتبتي، على عكس المعتاد من إرسال الكتب أو الروايات لأصدقائي بعد الانتهاء منها، وسأعود له بعد عام من الآن، ربما بمشروع لترجمته عربياً إن لم أجد ترجمة عربية له، بعد التواصل مع دار النشر المسؤولة عنه.

اترك رد