مراجعة رواية إيفيانا باسكال

أكتب هذه المراجعة بعد إنهائي للرواية مباشرة، وقد حصلت على نسخة مجانيّة منها من كاتبها والصديق يونس بعد طلبي لها منه، ليرسلها مشكوراً في وقت أكثر من مناسب، إذ لديّ الآن ما يكفي من الوقت والرغبة لقراءة عمل بالعربيّة، وحجم الرواية -رغم أنّه قد يبدو ضخماً بسبب عدد الصفحات الكبير- مناسب جداً، ويمكن إنهاؤها في ساعاتٍ قليلةٍ كاملةً.

يونس بن عمارة، لمن لا يعرفه، أحد أبرز المدوّنين “الأفراد” العرب في الساحة حاليّاً ونشاطه وعمله لتحسين الوسط لا يمكن إنكاره، يكفي إطّلاعك على أيّ منصّة يتركّز فيها المدوّنون كي تجد اسمه ضمن أكثر المساهمين، سواء بتجاربه الشخصيّة أو بمعرفته وخبرته في المجال؛ المقالات الشرحية والموسوعية الموجودة في مدوّنته كافية لتعطيك لمحة عن شغفه بالتدوين – ومشروعه الجديد “رديف” دليل آخر على هذا الشغف.

أمّا عن إيفيانا باسكال، فكما يصفها كاتبها، هي رواية بوليسية رومانسيّة تقع في جزئين يمتدّان على 400 صفحة، تدور أحداثها حول الشخصيّة الرئيسيّة إيفيانا وزوجها ومن حولهما من المعارف والأصدقاء. الرواية منشورة في 2019 وللكاتب رواية ومجموعة قصصية أخرى نُشرت بعدها – قام مشكوراً أيضاً بإهدائي إيّاها.

أمّا عن رأيي فيها – ولاحترامي لكاتبها لن أجمّل هذا الرأي إطلاقاً؛ باختصار، إيفيانا باسكال خليط كبير من الأفكار، في مساحة قليلة جداً، وبأسلوب سرد مشتت. هي محاولة جيّدة برأيي، ولكنّها أقلّ مما توقعت بكثير – السبب الوحيد الذي دفعني لإكمالها بعد الكتاب الأوّل هو الأمل بأنّ بين كتابتهما زمناً تحسّن فيه الأسلوب واختلفت طريقة عرض الأحداث -وهذا كان فعلاً في بعض النواحي- ولكن لا يزال ما تنطوي عليه صفحاتها يعاني ممّا لا يمكن التغاضي عنه.

ولكن قبل الخوض في كلامي عمّا لم يسرّني في الرواية، أنبّه -جداً- أنّ الهدف من الكلام أمران، الأوّل هو محاولة الوصول لمحور المشاكل المذكورة، وكيف كان بالإمكان حلّها. والثاني هو محاولة لفهم ما لم يعجبني في الرواية – ليس فقط من ناحية تقنيّة قابلة للإثبات، بل من ناحية نفسانيّة مبنيّة على تفضيلات شخصيّاً. وسأحاول قدر الإمكان الفصل بين هذين الأمرين بحدود واضحة. 

وأؤكّد أيضاً أن الهدف من كلامي ليس التثبيط أو استسهال الأمر أو اقتناص المشاكل، فلست أرفّع نفسي عن هذه المصاعب ولا أقول أنّها “سهلة الاجتناب” إطلاقاً، ولا أرغب -كجزء من مجتمع التدوين العربيّ- أن تنتهي تجارب الكتابة الإبداعيّة وغيرها إطلاقاً، خصوصاً تجربةٌ ناجحة كهذه استطاعت جذب عدد لا بأس به من القرّاء.

وبهذين التنبيهين أنطلق في رحلتي مع هذه الرواية، بداية من الكتاب الأول؛

رواية بوليسيّة، ولكن…

ربما فهمي قاصر لاستخدام هذا المصطلح هنا، ولكن إيفيانا باسكال ليست رواية بوليسية في جزئها الأوّل إطلاقاً – إلّا لو اعتبرنا أن الجزئين سرد لقصّة واحدة متكاملة، وحتّى حينها يكون الجزء البوليسيّ مقتصراً على ما لا يزيد عن ثلث الرواية فحسب. الجزء الأكبر من الرواية، وكامل الكتاب الأوّل، يرتكز على العلاقات بين الشخصيات. هذا بذاته لا ضير به، ولكن تقديمها على أنّها رواية بوليسية شتتني قليلاً حينما لم أجد هذا بين الصفحات.

ما أتوقعه عند التعريف برواية على أنّها بوليسية، هو وجود قضيّة أو عدّة قضايا تتمحور حولها هذه الرواية، وفي طيّات هذه القضيّة يكون التعريف بالشخصيات وكون القصّة وأحداثها. مربط الفرس هنا أنّ القضيّة هي المحور، وما يدور حولها يساهم فيها – سواء ببناء الشخصيات وتعريف القارئ بها، أو بدفع الأحداث من عقدة القضيّة وحتّى حلّها في النهاية.

في إيفيانا باسكال الأمر لا يتمّ كهذا – فكامل الكتاب الأوّل يمكن اعتباره تعريفاً بالشخصية الرئيسية وزوجها – بل هو تعريف بزوجها أكثر من تعريف بها لو أردت تحرّي الدقّة. الزوج هنا هو محور الاهتمام كاملاً، وهو الراوي، وهو من نرى من زاويته الأحداث.

في هذا ملاحظة أيضاً، فأسلوب الروي ينتقل بين الزوج الذي ينصبّ التركيز عليه، وبين راوي القصّة المجهول، ولكلّ منهما ما يعرفه وما يجهله، وفي رواية بوليسية من المهمّ أن يُعلم فيها ما يعرفه الشخصيّات وما يجهلونه من الأحداث، كي يكون القارئ قادراً على استنباط الأحداث وفهم مجراها، هذا الاختلاف يدفع للتشتت، ويحرف مسار القصة من كونها “أمراً يمكن للقارئ التفاعل معه والبناء عليه” إلى أمر “يجهله القارئ تماماً ولا يمكنه الإحاطة به سوى بعد أن يكشف بالكامل.”

ولكن كون الكتاب الأوّل برأيي لا يمكن اعتباره بوليسياً إطلاقاً، لا أجد مشكلة في هذا الأسلوب – بينما في الكتاب الثاني هو مشكلة فعليّة.

الكتاب الأول ينطبق عليه وصف “دراما الشخصيّات” أكثر من البوليسيّة، فهو يتمحور حول موضوعين، أوّلهما تعريف بالزوج وشخصيّته اللعوبة وعلاقته مع زوجته إيفيانا، وثانيهما إيفيانا واعتناقها الإسلام. وكلا هذين الأمرين يشمل لحظات مختلفة، في كلّ منها أفكار مختلفة، بعيدة عن بعضها بقدر بعد هذين الموضوعين عن بعضهما.

ولو قلنا أنّ هذا التباعد والتنوّع في الأفكار إيجابي -وهو ليس كذلك برأيي، بل هو سبب تشتيت هائل لما يحدث في القصة- فإنّ صفحات الرواية لا تكفي له، خصوصاً عندما نأخذ بعين الاعتبار حجم الأفكار التي تحاول القصّة إيصالها، وعدد الشخصيات الهائل جداً الذي على القارئ تذكّره من بدايتها حتّى نهايتها.

وهذا يدفعني للحديث أكثر عن هذه المشكلة الرئيسيّة في الرواية؛

التشتّت

كثرة الشخصيّات

تبدأ الرواية بتعريفٍ لعدد هائل من الشخصيّات، أقول هائل هنا بسبب حجم الكتاب الأوّل المرتبط بهذه الشخصيات، في مئة وخمسين صفحة تقريباً يظهر ما يزيد عن العشر شخصيّات – منها أربعة يفترض كونها رئيسيّة؛ الزوج والزوجة، حبيبة الزوج الألمانيّة، وابنهما.

هل يمكن التعريف والبناء على هذه الشخصيّات في هذا العدد من الصفحات؟ ربما، ولكنّه أمرٌ صعب. المشكلة الأولى التي ستعاني منها القصّة بسبب هذا الضغط الهائل للشخصيات في مساحة قليلة هو أنّ بعضها فقط سيحصل على مبرّرات لأفعاله، وبعضها فقط سيكون قابلاً للتمييز بعد النهاية، وهذا ما حصل هنا تماماً؛

في النهاية ستدرك أن الزوج لعوب ولكنّه مخلص لزوجته أيضاً، ستدرك أنّ إيفيانا ذكيّة وتستطيع التعامل مع هذا العيب في شخصيّة زوجها، وهذا كلّ شيء.

عدا عن هذا؟ لا صفات مميّزة تجعل شخصيّة بين الشخصيّات تظهر في تباين مع الأخرى، حتّى مع اختلاف اسمائهم وصفاتهم العامة ووظائفهم؛ نعم كان هناك شخصيّة تهريجيّة في القصة، ولكن لم يكن وجوده التهريجيّ بارزاً بما فيه الكفاية ليكون شخصيّة قابلة للتذكّر في النهاية. نعم صديقة الزوج الألمانيّة كان شعرها أحمراً وكانت تحبّه، ولكن عدا عن ذلك لا خبر لدينا عن شخصيّتها وعاداتها وما يدفع تصرّفاتها.

التأسيس البصريّ للشخصيّات كان محدوداً جداً ومقتصراً على إيفيانا والفتاة الألمانيّة، والتأسيس النفسيّ للشخصيّات كان محدوداً جداً ومقتصراً على مجموعة محدودة جداً من الشخصيّات ولم يكن كافياً على الإطلاق لفهم دوافعها وأهدافها، وهذا النقص في التأسيس هو ما يجعل هذه الشخصيّات قابلة للنسيان بسهولة، وتمرّ في الذاكرة مرور السحاب.

عادةً، يتم التأسيس للشخصيّات بناء على خمس محاور ذكرتها في مقالي السابق عن بناء الشخصيّات؛ وهي الصفات الجسدية، الحركات، الأفكار، ردود الأفعال، طريقة الحديث. وفي الكتاب الأوّل لا ذكر على الإطلاق لطريقة الحديث، ولا ذكر على الإطلاق لأفكار الشخصيّات سوى في مواضع قليلة جداً.

مشكلة أخرى مشابهة لمشكلة كثرة الشخصيّات، هو أنّ الشخصيّات الموجودة في القصّة، والتي يفترض أنّ نعرفها، تتحدث أيضاً عن شخصيّات من خارج القصّة، في حياتها، وتلك الشخصيّات تأتي دون سياق مناسب برأيي ولا تقوم سوى بالتشتيت بسبب ذكر أسماءها وكأنّه يجب على القارئ معرفتها سلفاً.

مجدداً، لا ضير في هذا عادةً، ولكنّ استخدامه هنا، مع الكم الهائل من أسماء الشخصيّات التي يجب على القارئ معرفتها خلال هذه الفترة القصيرة، لا يساهم سوى في تشتيت الأحداث. ربما حلّ أفضل لهذا النوع من المداخلات في الرواية هو نسبها لصفات الأشخاص بدلاً من أسمائهم، كوصفها “لعمّ فلان” دون ذكر اسمه.

باختصار، الفكرة التي يمكن استخلاصها هي أنّ القارئ لن يكون قادراً على متابعة كلّ هذه الشخصيّات خلال هذه الفترة القصيرة، لهذا في القصص التي تعمل على إدخال شخصيّات كثيرة في أحداثها نرى أحد الممارستين؛ الأولى التعريف بالشخصيّة في “آرك” أحداث مستقلّ، يتلوه توظيفها في القصّة. والثانية إعطاء مساحة كافية للتفاعل بين الشخصيّات، واستغلال هذه التفاعلات في بناء الصفات المميزة لها وتشكيل شخصيّاتها في مخيّلة القارئ.

في حالة إيفيانا باسكال، النوع الثاني من التأسيس صعب الاستخدام بسبب صغر المساحة الموجودة، بينما النوع الأول ممكن، ولكنّه يضع النص أمام المشكلة التالية التي يجب حلّها أيضاً؛

كثافة الأفكار

الأمر الرئيسيّ الآخر الذي يساهم في تشتيت القارئ برأيي هو كثرة الأفكار والخطوط التي تحاول الرواية المشي فيها، الخطّان الرئيسيّان هما رحلة الزوج في العثور على القناعة، وإسلام إيفيانا وزوجها واختلاف حياتهما بعد هذا. 

ولكن ضمن هذين الخطّين -البعيدين سلفاً عن بعضهما كما أسلفت- العديد من الخطوط الجانبيّة الأخرى، التي لو توسّعت أحداثها لاحتاجت كتاباً كاملاً؛ كعلاقة الزوج مع زوجة صديقه الألمانيّة وخطّة إيفيانا الذكيّة لإنهاء هذه العلاقة قبل أن تتطور، أو حياة الزوج مع أصدقائه ومفهوم السعادة المطروح في النصف الأوّل من الجزء الأول من الرواية، أو علاقة الزوج مع زوجته وابنه، وأسلوب عيشهم في دوائرهم الإجتماعيّة مع عاداتهم وصفاتهم المميزة.

مفهوم القناعة المقدّم في محاضرة السعادة في القصة، واحتواء إيفيانا لزوجها وقيادته نحو هذه السعادة في النهاية، وحتى قصة دخولها للإسلام وإقناع زوجها به، كلّها كانت قابلة للربط بشكل مباشر، وبطريقة طبيعيّة، ولكنّها -وبسبب كثرة الانتقالات والانقطاعات في القصة وسردها- تبدو منفصلة عن بعضها تماماً. وإدراك الرابط بينها لا يكون بسبب ترابطها في القصة، بل لأنها “بديهية الترابط عندما تذكر معاً” – وفي الأمرين اختلاف كبير.

هناك قصص تعتمد على التشتت في بناء الأفكار، وتجبر القارئ في نهايتها على إعادة النظر لما حدث فيها لترتيب الأحداث وفهم ترابطها، ولكنّ تلك القصص لا تعتمد على “بديهيّة” ارتباط هذه المواضيع ببعضها، ولا تفصل بينها بحدود واضحة تعيق من سلاسة انتقال الأحداث من فصل للآخر.

هذا ولم نذكر بعد الجزء الذي يتعرّض لقصّة ابنهما، والجزء الذي يتحدث عن شخصيات عشوائية وثعابين وأسرار تظهر وتختفي دون الحديث عن مصدرها أو مآلها.

لو اقتصرت الرواية على خليط بين رحلة الزوج ليكون أكثر قناعة، ورحلة الزوجة في العثور على الإسلام، بطريقة تمزج بين الأمرين وتعطي نهاية أكثراً تركيزاً على ما اكتسبه كلّ منهما وما خسره، لكان الأمر أفضل بكثير. لا حاجة للتعريف بكلّ هذه الشخصيّات الثانوية والأحداث العشوائيّة، خصوصاً في مساحة صغيرة كهذه.

لو حصلت كلّ شخصيّة من الشخصيّات الرئيسية على آرك يظهر كلّ ما يحتاج القارئ لمعرفته عنها وليكون قادراً على فهمها والارتباط بها، لكان انتقال الزوج من كونه زير نساء يضعف أمام جمال فتاة ألمانيّة متزوّجة، لشخص مخلص لزوجته، واستعانة زوجته بما تعلّمته عن الإسلام من قناعة واكتفاء لإقناعه بالعدول عن عادته تلك، لكان ما يجري بالقصّة أكثر منطقيّة.

ولكن، حتى في النهاية، التطور الوحيد للزوج في تخلّصه من عاداته القديمة لم يعد ذا معنى، لأنّ الفتاة التي تخلّص منها بعد إخلاصه لزوجته، تعود إليه هذه المرّة كزوجة بعد وفاة زوجها (ولا تظهر مرّة أخرى في الجزء الثاني من القصّة بالمناسبة).

امّا الكتاب الثاني، ففيه ما يحسّن من مشاكل الكتاب الأوّل، وما يتخطّاها سوءاً برأيي؛

رواية بوليسية، تقريباً…

في هذا الكتاب قضيّتان بوليسيّتان ورحلة لاكتشاف الذات، وكمّ هائل من الشخصيات الجديدة والقديمة التي على القارئ التعرّف عليها مجدداً عن طريق التعريف المرفق في بداية الرواية. لا حاجة للتأكيد على كون طريقة التعريف بالشخصيات هذه غير فعّالة، فهي تعتمد على أنّ القارئ سيتذكّر اسماء الشخصيات وصفاتها من هذه الأسطر القليلة، ولا تعود لبناء الشخصيّات مجدداً أثناء الأحداث وتفترض أنّ التعريف ذاك كان كافياً.

أما القضيّتان فهما متداخلتين، الأولى عن اختطاف زوجة ابن عمّ إيفيانا، والثانية عن وفاة أحد أصدقائها في ليلة زفافه، ووجود هتين القضيّتين يجعل وصف الرواية بالبوليسية دقيقاً، ولو أنّهما يشكّلان نصف الكتاب تقريباً فحسب، وليس أغلبه.

وأما الرحلة فهي رحلة إيفيانا وزوجها إلى سوريا، وتجربة التعامل مع مسلمين في مجتمع مسلم.

في هذا الجزء من الرواية تبرز مشكلة لم تكن واضحة تماماً في الجزء الأوّل وهي؛

الترتيب الزمنيّ للأحداث

لنبدأ بالبديهيّ، يكفي أثناء الرواية ذكر أدوات رئيسيّة تعتبر نقاط علّام لكلّ حقبة زمنيّة لمعرفة وقت حدوث أحداث القصّة، وهنا تمثّل هذا بالهاتف والحاسوب، والرسائل النصّية القصيرة وشبكة الإنترنت. هذا في هذه القصّة كان كافياً تماماً لنعرف -نسبيّاً- الحقبة الزمنيّة التي تنتمي لها هذه الشخصيّات.

ولكن هذا غير كافٍ لنعرف إن كانت أحداث هذه الرواية تسبق الجزء السابق أم تليها، خصوصاً باختفاء شخصيّات أساسيّة كالزوجة الألمانيّة جين وابنتها الجديدة من الساحة تماماً، وهذا يطرح سؤال آخر، هل الأحداث التي تجري مرتبطة أساساً بالجزء الأوّل، أم في مسار قصصي مختلف، أم زمن سابق.

وضمن الأحداث نفسها، لا نعرف أيّها يحدث قبل الآخر خصوصاً بسبب التنقّل في عرض القصّة بين مناظير شخصيّات كثيرة مختلفة – هذه الشخصيات بدورها لم تحصل على مجال كافٍ للتعريف والبناء، ولكن بسبب المساحة الكافية كان من الممكن على الأقل معرفة صفاتها الرئيسية، كابن عمّ إيفيانا المندفع والذكيّ مثلها، والمفتّش المدخّن الذكيّ، والفتاتان العاملتان في شبكة الأعمال غير المشروعة.

بالدمج بين شخصيات لم تحصل على تعريف كافٍ ومنظور حديث متنقل باستمرار دون بناء خطّ زمنيّ واضح للأحداث، تعود مشكلة التشتت للظهور بعنف من جديد، ولأنّ هذا الجزء من الرواية بوليسيّ، وفهم الشخصيّات الرئيسيّة ضروريّ ليكون القارئ قادر على تحليل الأحداث بنفسه واستنباط النتائج، يسقط هذا الجزء من المتعة تماماً من المعادلة.

هذا إضافة لجهل المتابع بما تقوم به الشخصيات عندما يتحول الحديث من أحدها للاخرى، وكأنها تختفي تماماً من عالم القصّة حتى يعود الحديث إليها. وبالإضافة أيضاً لقدرة الشخصيات على الاحتفاظ بمعلومات لنفسها دون إظهار طريقة استنتاجها أو على الأقل التلميح إلى طريقة امتلاكها لهذه المعلومات.

المشاكل الفرعيّة التي عانى منها هذا القسم من الرواية في أغلبها مرتبطة بالمشاكل أعلاه، كصعوبة فهم تقدير الشخصيات لإيفيانا دون إظهار مساهماتها في حل القضيّة مباشرة، أو صعوبة فهم دوافع القاتلة بسبب عدم تحضير القارئ ليفهم مسرح الجريمة قبل حدوثها – وحتى بعد حدوثها.

محاولة عرض التحقيقات من وجهة نظر المحقق كانت أقرب ما يمكن للمسار الصحيح الذي يمكن لهذه الرواية سلكه كي تقدّم قصّة بوليسية مقنعة، ولكنّ هذه المعلومات، التي يمتلكها المحقق، لا يعرف طريقة وصولها ليد إيفيانا، والتي لا يعرف أيضاً طريقة استغلالها لهذه المعلومات لمعرفة حل الجريمة.

أما الجزء الأخير من الرواية، فيمكنني مستعيناً به تلخيص مشاكل الشخصيّة إضافة لفرع من المشاكل التقنية التقنيّة؛

التلقيم والقيادة

باختصار، ما أقصد به التلقيم هنا هو المبالغة في عرض الأفكار بطريقة بديهيّة، كالمبالغة في تقديم الإسلام بصورة إيجابيّة -ولو كنت أتّفق مع هذه الصورة- وحصر الكثير من التعاملات بين شخصيات الرواية على ما يمكن أن يظهر الإسلام والمسلمين بالصورة الإيجابيّة تلك. 

نعم، لا أتّفق مع إظهار الإسلام بطريقة سلبيّة في الأعمال الفنّية، ولكن لا أتفق إطلاقاً مع إظهاره إيجابيّاً بطريقة تلقيميّة أيضاً.

ربما الهدف من الرواية بعد ترجمتها للإنجليزيّة تقديمها لمن يرغب بالإطلاع على الدين الإسلاميّ، وهذا بنفسه لا ضير فيه، ولكن في مرحلة معيّنة، يجبر أسلوب التلقيم هذا الرواية التحول من “عمل فنّي” يمكن للشخص الاستمتاع به، وفهمه مغزاه قلبيّاً وعقليّاً دون إجبار، إلى بروبغاندا تحاول تلميع صورة لا تحتاج تلميع.

التلقيم نفسه مستخدم أيضاً في تقديم شخصيّات الرواية، إيفيانا هي Mary Sue كلاسيكيّة، وتقديمها مقتصر على “حديث الناس عنها” بدلاً من كونها تظهر بذاتها تفعل أشياء دون تذكير الراوي لنا كقرّاء أنّها “جيدة ومحسنة كهذا”. الأمر ذاته ينطبق على زوجها، الذي يحبها حباً جماً بالكلام، ولكنّه يضعف أمام أول فتاة جميلة يراها أمامه. ولو كان هذا جزءاً من شخصيّته؛ الأفضل إظهار هذا بدلاً من تلقيمه للقارئ على لسان الراوي.

على الرغم من إيماني أنّ نصائح الكتّاب الكبار لا تقدّم عقاراً شافياً لكل مشاكل الكتابة، إلّا أنّ حلّ هذا يندرج تحت قاعدة “أرِ القارئ ولا تخبره” التي ينصح بها ستيفن كينغ.

وبهذا ينتهي كلامي عن الرواية، لأعود مجدداً للتذكير بأنّ الهدف منه ليس التثبيط أو اقتناص الأخطاء، بل محاولة في معرفة المشاكل وتقديم حلول منطقيّة لها. أرجو من الكاتب تقبّل هذا النقد المتواضع لما قدّمه، وآمل أن تتاح لي الفرصة قريباً في إكمال أعماله الأخرى والحديث عنها أيضاً.

اترك ردّاً

%d مدونون معجبون بهذه: