رواية The Time Machine “آلة الزمن” ولماذا فضّلت الفيلم المقتبس أكثر منها

في الفترة السابقة قررت العودة لقراءة الروايات من جديد، لم أكن متأكداً تماماً من قدرتي على إنهاء رواية كاملة بعد انقطاع طويل دام لأشهر، ولم أكن أرغب بشراء رواية دون خطة فعلية لقراءتها. ولكن بعد أشهر من محاولة العثور على نمط حياة شبه مستقر استطعت توفير وقت اسبوعي لقراءة الروايات، وبدأت بشراء رواية The Time Machine للكاتب هيربيرت جورج ويلز، استلمت الرواية وأنهيتها في نفس اليوم، ولم يكن هذا إنجازاً كونها لم تكن طويلة جداً – مئة صفحة تقريباً.

علاقتي بأدب السفر عبر الزمن

قبل أن أبدأ حديثي عن الرواية والفيلم، عليّ الحديث قليلاً عن علاقتي بأدب السفر عبر الزمن؛ علاقة استمرت لسنوات طويلة ربما منذ سنوات طفولتي الأولى. بدايتي لم تكن مع “أدب” السفر عبر الزمن، بل بشكل أدق مع الميديا المتعلقة بذاك بشكل عام؛ من الأفلام والمسلسلات وحتى العروض الكارتونية. الأفلام الوثائقية والقصص القصيرة التي استطعات أن تطالها يدي… أعتقد أنني شاهدت وقرأت الكثير من المحتوى المتعلق بهذا الموضوع طوال فترة حياتي لدرجة لم أعد أذكر أين بدأت بهذه العادة.

في هذه الأيام لا أستطيع تذكّر كافة المحتويات التي قرأتها عن هذا الموضوع؛ أفضل ما يمكنني فعله هو تذكر العناوين التي استطاعت التأثير فيّ، يمكنني ذكر The Butterfly Effect وThe Time Machine عند الحديث عن الأفلام، يمكنني أيضاً ذكر Steins;Gate عند الحديث عن الأنمي… أتذكر بعض الروايات القصيرة التي قرأتها من سلسلة روايات الخيال العلميّ لطالب عمران والتي تضمنت بعض الحديث عن السفر عبر الزمن، ولكنني لا أذكر تماماً أيها كان يركز على هذه الفكرة.

أردت في هذه الفترة قراءة روايات انجليزية – بعيداً عن المحتوى الذي قرأته سلفاً، ولم أكن متشجعاً تماماً للبداية بقصة لا أعرف ما فيها كوني لم أقرأ منذ زمن طويل نسبياً… تذكرت فيلم آلة الزمن الذي شاهدته قبل سنوات، ومن ثم عزمت القرار على شراء الرواية التي اقتبس منها الفيلم، لأنني أعلم أن القصة ستعجبني. ربما يبدو الأمر غريبا -شراء قصة تعرفها سلفاً- ولكن الرواية والفيلم لا يشتركان سوى بالفكرة الرئيسية ولا تشابه ضخم بين أحداثهما.

بأي حال، كانت الرواية تجربة جيدة ولم أشعر بخيبة الأمل أثناء قراءتها أو حتى بعد إنهائها… الأمر فقط أنني لم أجد الرواية في هذه الحال أفضل من الفيلم، بل على العكس تماماً.

ما الفكرة الرئيسية من الرواية/الفيلم؟

قبل أن أخوض في التفاصيل التي ستتطلب منّي حرق أحداث الرواية والفيلم لتوضيح وجهة نظري، ربما من الأفضل ترك نظرة شاملة عن الرواية والفيلم لمن يرغب بالتوقف هنا والذهاب لقراءة الرواية أو مشاهدة الفيلم. بأي حال، أنصح بقراءة الرواية قبل مشاهدة الفيلم لتستمتع بالرواية لأقصى حد، ومن ثم الاستمتاع بالفيلم لأقصى حد. أيضاً لا أنصحك برفع آمالك من الناحية البصرية الموجودة في الفيلم.

الفكرة في الرواية والفيلم تدور حول آلة الزمن… بديهيّ جداً برأيي… المختلف هنا أن آلة الزمن هذه تعالج مشكلة ضخمة يعاني منها المسافر عبر الزمن، وهي احتمالية ملاقاته لنفسه في الماضي أو المستقبل؛ الآلة تقوم بنقل وعي الشخص عبر الزمان لفترات سابقة مما يعني أنه سيحلّ مكان نفسه في الماضي لو كان موجوداً، أو سيذهب بوعيه وجسده لو لم يكن موجوداً. من المعتاد في أدب السفر عبر الزمن محاولة تغطية المعضلات المشابهة عبر “آلة عجيبة” او “قدرة خارقة” لذا لا يمكن اعتبار الفكرة التي جائت بها الرواية فكرة مستحدثة – ربما كانت في وقتها ولكن ليس في هذا العصر. (عليّ العودة والبحث في أمر الرواية للتأكذ من هذا)

تسافر الشخصية الرئيسية باستخدام هذه الآلة للمستقبل وتوصف لنا من وجهة نظرها ما رأته في المستقبل البعيد للبشرية وكيف تطورت على مدى العصور؛ هذا يعني أنك ستسمع الكثير من الكلام عن المستقبل -الذي نعيش جزءاً منه- على لسان شخصية من القرن التاسع عشر أو الثامن عشر… ربما تجد الكثير من التفاصيل الموجودة في الرواية أو الفيلم بديهية بالنسبة لك، ولكن عليك ابقاء فكرة أن الكاتب كان يعيش في فترة مختلفة حاضرة لفهم ما يتحدث عنه.

هناك بعض المشاكل المتعلقة بفكرة السفر عبر الزمن -كما في أي قصة آخر من هذا النوع- مثل فكرة “ثبات المكان وتغير الزمن” التي حاولت الشخصية الرئيسية بناء بعض أجزاء فلسفة السفر عبر الزمن عليها، والتي لا يمكن أن تكون صحيحة لأن “المكان” الذي يتحدث عنه كان نسبياً بالنسبة للأرض، ولو كان المكان ثابتاً بالمطلق لكان سفره عبر الزمن تضمن خروجه للفضاء، ولكن لأسباب قصصية يمكن تجاهل هذه الحقيقة.

ككل، الرواية والفيلم كلاهما ممتعين، فيهما بعض الأفكار الجميلة إضافة لفكرة السفر عبر الزمن، ولكل منهما طريقته الخاصة بالنظر للمستقبل والأحداث فيه، حتى لو كانت الفكرة الرئيسية مشتركة أنصحك بقراءتهما والتعامل معهما كعملين مختلفين تماماً، وهذا هو السبب:

بم اختلفت الرواية عن الفيلم؟

لا يمكنني الاشارة لكافة نقاط الاختلاف، لأن الأمر سيتطلب مني الكثير من الوقت والعودة مجدداً للفيلم والرواية وتحديد كل نقاط الحبكة التي اختلفت بين العملين -وهي كثيرة جداً- ولكن يمكنني بالتاكيد تحديد النقاط المحورية المختلفة بين العملين، والأسباب التي جعلتني أفضل الأحداث في الفيلم أكثر من الرواية.

الشخصية الرئيسية

في الفيلم، بدت الشخصية الرئيسية أكثر شبهاً بالشخصيات العبقرية الغريبة المكررة في أغلب الأفلام الأخرى، ربما قد يبدو هذا الأمر أسوأ للولهة الأولى ولكنه سيكون أكثر ملائمة للأحداث الأخرى التي تغيرت في الفيلم أيضاً، التغيير البسيط في الشخصية التي نقلها من كونها تلك الشخصية ذات الثقة العالية بالنفس في الرواية إلى الشخصية الأكثر غرابة وانعزالاً اجتماعياً في الفيلم كان تغييراً إيجابياً لأن الدافع قد تغير بين القصتين.

الدافع للسفر عبر الزمن

في الرواية، لا تمتلك الشخصية الرئيسية دافعاً للسفر عبر الزمن سوى إثبات النظرية واشباع الفضول، وكانت الثقة الزائدة بالنفس والفخر المضمّن في الكثير من الحوارات والأحداث مساعدين لإظهار هذا منبع هذا الدافع، الشخصية الرئيسية في الرواية لن تتوانى في قتل “بشريّ” لو كان يهدد حياتها بالخطر، بينما الشخصية في الفيلم كانت مدفوعة من البداية للسفر عبر الزمن بهدف إنقاذ شخص من الموت. الشخصية المتوترة والقلقة اجتماعياً كانت أكثر ملائمة للدافع في الفيلم، وكان الدافع أيضاً بدوره مبرراً لها.

لكل من الشخصيتين والدافعين سحره الخاص، ولا أفضل أياً منهما على الآخر.

إلى أين؟

في الفيلم، سافر الشخصية الرئيسية في المرة الأولى لمحاولة الحيلولة دون وفاة زوجته، ويدرك أن سفره عبر الزمن هذا لن يغير قدراً محتوماً، ليقرر بعدها السفر في إلى المستقبل البعيد. بينما في الرواية الرحلة الأولى كانت للمستقبل البعيد، وكل أحداث الرواية جرت فيها. وبينما قدم الفيلم ثلاث رحلات عبر الزمن، الأولى للماضي، الثانية للمستقبل، والثالثة للمستقبل البعيد -والرحلة الأخيرة بالطبع. لم تقدم الرواية سوى رحلة واحدة للمستقبل -إضافة لرحلة قصيرة نحو المستقبل البعيد جداً جداً والرحلة الأخيرة التي ختمت فيها الرواية.

أثناء قراءتي للرواية كنت أنتظر اللحظة التي سيفسر فيها الكاتب معضلات السفر للماضي وكيف ستتعامل آلة الزمن معها، ولكنّه تجنّب السفر للماضي بالكامل وركّز على المستقبل الذي يقدم معضلات ذات حلّ أسهل بكثير، الفيلم في الكفّة الأخرى واجه المعضلات بشجاعة وقدم تفسيراً لها بكون ماحصل في الماضي قدر محتوم.

النسخ المتعددة من المستقبل التي أظهرها الفيلم كانت تفسّر الأحداث التي جرت في المستقبل البعيد بشكل أفضل، بينما أحداث الرواية كانت تثقل المستقبل البعيد جداً بتفسيرات عاشها الحاضر في تلك الفترة… الفيلم اعتمد قصة القمر المدمر لظهور سلالتي البشر المختلفتين، بينما اعتمدت الرواية النظرية الطبقية -التي كانت أكثر منطقية في عصر الكاتب- لتفسير انفصال البشر لفصيلتين مختلفتين تماماً.

المستقبل المذكور

في الرواية، كل ما نعرفه بشكل قاطع عن المستقبل هو ما يمكن للشخصية الرئيسية أن تراه، بينما كانت بقية الأحداث مجرد تخمينات من الشخصية الرئيسية وإسقاطات مباشرة من الكاتب على الأحداث، بينما في الفيلم استطعنا بشكل مباشر رؤية ما وصلت له الحضارة البشرية قبل النتيجة النهائية واتسطاع الفيلم أن يربط بين هذه التفسيرات والأحداث الرئيسية بالفيلم بطريقة مبدعة.

في الفيلم، مرّت الشخصية الرئيسية بزمنين انتقاليين تعرف في الأول على حاسوب هولوغرافي سيلعب دوراً كبيراً في إنقاذه من المستقبل البعيد الموحش، وفي الزمن الثاني تعرّف على سبب انفصال البشر لسلالتين مختلفتين، حيث بقي بعض البشر -الأقل حظاً- فوق الأرض، وانتقل الأكثر حظاً للعيش تحت الأرض والنجاة من القمر المتساقط. أيضاً نرى نفس القمر المفتت في الانتقال الثاني والانتقال النهائي.

في الرواية لا يمكننا رؤية أي من هذا؛ ولكن يمكننا رؤية نظرة الكاتب التشاؤمية عن المستقبل والذي يمكن أن يحصل إن استمرت الفجوة بين الفئة العاملة والفئة الإقطاعية بالتضخم… كان يتنبأ في الرواية على لسان الشخصية الرئيسية بأن الفجوة ستزداد لدرجة هائلة تجعل من كل فئة جنساً مختلفاً تماماً، وكلا الجنسين سيكونان غير بشريين على الإطلاق.

لكل من النظرتين في المستقبل سحرها الخاص، وبينما أفضل النظرة التي قدمها الفيلم لكونها أقرب لواقعنا الذي نعيشه -باحتمال احتلال القمر وتفجير قنبلة نووية في المكان الخطأ- إلا انني لا يمكنني انكار أن فكرة الصراع الطبقيّ كانت سيئة على الإطلاق، بالأخص في زمن الكتابة.

شعب المستقبل

قدمت الرواية رؤية “بيضاء وسوداء” عن شعب المستقبل، فبالغ الكاتب في إظهار لطافة الناس الذين يعيشون على سطح الأرض، بينما بالغ في إظهار وحشية أولئك الذين يعيشون تحتها، ليس في الشكل فحسب بل بكل شيء آخر من التصرفات وحتى طريقة التعامل… المبالغة هذه جعلت هذين الشعبين -الذين من المفترض أنهما سلالتين من البشر- يبدوان أكثر بعداً عن البشرية، وهذا ما يذكره الشخصية الرئيسية في الرواية أصلاً.

بينما في الفيلم كان تمثيل الشعبين أقرب للبشر في كثير من النواحي، سواء من الشكل أو في التصرفات… اللغة في الفيلم كانت أكثر منطقية من تلك التي أظهرتها الرواية، وتصرفات شعب السطح كانت أكثر شبها بتصرفات الإنسان… بينما كانت وحشية شعب الجوف أقرب لوحشية الإنسان الحاليّ. وفضّلت شخصياً النظرة التي قدمها الفيلم من هذه الناحية، لان الرواية عجزت عن كسب تعاطفي تجاه تلك الكائنات التي لا يمكن اعتبارها بشرية -ولا يتم اعتبارها بشرية ضمن الرواية وأفقدتني الكثير من الاهتمام الذي استطاع الفيلم أن يقدمه لي تجاه هذين الشعبين.

اللغة بذاتها وأسلوب التعامل مع فكرة اللغة والتواصل مع الآخر كانت من النقاط الحاسمة بالنسبة لي، على الرغم من كونها فكرة ثانوية جداً في القصة… الفيلم تعامل مع الفكرة بطريقة منطقية جداً، ولم يجعل شعب السطح جاهلاً بالكامل او متخلفاً بالكامل، بل أظهر ان البشر سيحتفظون بحب التعلم حتى بعد ملايين السنين. بينما في الرواية لم يظهر أي تلميح لكون شعب السطح قد احتفظ بهذه الصفة، على العكس تماماً كانت الرواية تؤكد على جهلهم وضعف قدراتهم العقلية في كل مناسبة.

النهاية

النهاية في الرواية كانت سوداوية جداً مقارنة بالنهاية السعيدة في الفيلم، وفضلتها شخصياً على نهاية الفيلم لأنها كانت أكثر ملائمة للأحداث… الفيلم كان شجاعاً في مواجهة المعضلات العلمية ولكنّه كان جباناً من الإنهاء بحدث مجهد عاطفياً، فبدلاً من النهاية المفتوحة التي حصلت عليها الرواية بعد القصة الطويلة المرعبة، قام الفيلم بإنهاء القصة على الحياة السعيدة للشخصية الرئيسية في المستقبل، في “منزله” الجديد، بدلاً من “ربما أكله أحد تلك المخلوقات الغريبة” التي انتهت عليها الرواية.

لازلت أفضل النهايات الواقعية، ولكن بالنظر مجدداً للأحداث يمكنني القول أن النهاية السعيدة في الفيلم كانت مبررة لأن الشخصية ظهرت في معاناة منذ البداية وكانت تبحث عن الخلاص، بينما في الرواية كانت الشخصية الرئيسية تبحث عن المجد وإثبات الذات في الرحلتين، والنهاية السوداوية كانت أكثر ملائمة لقصة مشرقة بمجملها -وإن لم تكن في العمق كذلك.

لماذا لا نمتلك وجهاً عربياً مثل PewDiePie؟

إن كنت لا تدري من هو PewDiePie أصلاً فأنت غالباً تعيش على صخرة في الفضاء. PewDiePie هي قناة اليوتيوب الأكثر اشتراكاً على الإطلاق بقاعدة متابعين تصل لل62 مليون مشترك، صاحب القناة السويدي فيلكس شيلبرغ -أو جيلبرغ، من يدري كيفية لفظ هذا الاسم بشكل صحيح- هو أحد أكثر الأشخاص تأثيراً بالمنصة في السنوات القليلة الماضية، لنقل في السنة الماضية تحديداً إذا كانت تلك السنة التي لمع فيها نجمه.

فيلكس يقوم بنشر الفديوهات على قناة اليوتيوب خاصته منذ سنوات طويلة، قدّم خلالها الكثير من المحتوى المتعلق بألعاب الفيديو والمحتوى الترفيهي والكوميدي وأشياء أخرى. قبل سنة ونصف تقريباً كان فيلكس جزءاً بشكل غير مباشر من شبكة ديزني وكان يعمل على سلسلة فيديوهات خاصة على شبكة يوتيوب ريد المخصصة للمشتركين الذين يدفعون المال لرؤية المحتوى السخيف ذاته الموجود على يوتيوب بجودة أعلى وبطاقم عمل أكبر.

بأي حال، في العام السابق وبعد مجموعة من المشاكل خرج فيلكس من قائمة الأشخاص الجيدين الخاصة بغوغل ويوتيوب وديزني بعد ادعاءات عن كونه شخصاً معادياً للسامية -بسبب مزحة سخيفة عن قتل اليهود- وبعدها تحوّل فيلكس من انتاج الفيديوهات الدورية التي تجلب له المال، إلى إنتاج الفيديوهات دون أي قيود، فقط لأنه يريد إنتاجها.

بالطبع لم يكن الانتقال سهلاً ومن الواضح ذلك على تغيّر أحوال القناة منذ بداية المشكلة وحتى بداية السنة الحالية، ولكن منذ بداية عام 2018 بدأت القناة تأخذ اتجاهاً جديداً، اتجاهاً أفضل بكثير مما سبق، وهذا ما جعلني أعجب بشخصية فيلكس بشكل أكبر وأتمنى لو كان لدينا وجه عربيّ مشابه. وهذا سبب كتابتي لهذا المقال، ليس لأنني أريد الحديث عن الدراما الدائرة في يوتيوب، وإنا لرغبتي بالحديث عن الأشياء التي تجعل فيلكس شخصاً يستحق الاحترام، ولماذا نحتاج كمجتمع عربي شخصاً مشابهاً.

ما الذي يجعل من فيلكس شخصاً يستحق الاحترام؟

الأفعال لا الأقوال:

وهذا أمر بديهي بالنسبة لي، فيلكس منذ بداية العام قام بتغيير توجّه قناة اليوتيوب خاصته نحو ما يجعله أكثر راحة واستمتاعاً، وبدلاً من محاولة وعظ المتابعين بأهمية التغيير، وتقديم الدروس الحياتية لهم كشخص بلغ الثلاثين من العمر واعتقد أنه رآى كل شيء في الحياة، قام فيلكس بمشاركة التغييرات التي تحصل معه دون أدنى محاولة خطابية لمتابعي القناة.

قد يبدو الأمر سخيفاً قليلاً عند وضعه بهذه الطريقة، ولكن منذ بداية العام وفيلكس يقدم فيديوهات تتعلق بقراءته للكتب، فيديوهات تتعلق بسفره لدول مختلفة وتعلم ثقافاتها، وفيديوهات تتعلق بالأوضاع الاجتماعية على الأقل في بيئة يوتيوب التي يعمل فيها. شارك فيلكس الكثير من الفيديوهات حول ثقافة الانترنت والشخصيات الغبية التي حاولت السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي وقام بنقدها بطريقة كوميدية لطيفة.

كل هذه الفيديوهات لم تتضمن ربما عبارة واحدة يعظ فيها فيلكس متابعينه بالتوقف عن فعل شيء ما، أو البدء بفعل شيء ما. لم يقدم فيلكس فيديو عن أهمية القراءة واهمية الأدب في الحياة، وإنما بنى سلسلة كاملة من الفيديوهات يتحدث فيها عن الكتب التي يقرؤها، وفائدتها وتأثيرها على حياته، وشارك فيها مجموعة من الكتب المميزة وقدم وصفاً ونقداً شبه احترافيّ لها إن لم يكن احترافياً.

الأفعال التي يقوم بها فيلكس من المحتمل أنها عشوائية ولا يدرك تأثيرها الكبير على متابعيه، ولكنها مقدمة بأسلوب مقنع على الأخص لقاعدة المتابعين الشابة للقناة. بدلاً من الفيديوهات السخيفة المنتشرة في القنوات الكبرى ومحاولات تسفيه كل شيء… يمكن القول أن فيلكس قام بتثقيل كفّة الميزان باتجاه التأثير الايجابيّ على الأطفال المتابعين لمنصة يوتيوب، مقابلاً للتثقيل السلبي الذي قام به الأخوان بول (No pun intended) في الفترة الماضية.

معرفة الخطأ والصواب:

عودة للحادثة الصغيرة المتعلقة بقتل جميع اليهود والتي سببت التغيير الهائل الحاصل في قناة فيلكس، كان فيلكس مدركاً تماماً انه محارب من شبكات اعلامية ضخمة وأن هذه الشبكات تنتظر كلمة خاطئة منه لتصب الزيت على النار، ولكنه كان مدركاً أيضاً ان ما قام به لم يكن خطأ على الإطلاق. برأيي ثباته على موقفه ودفاعه عن نفسه أمام منصة إعلام تقليدية ضخمة كان ملحمياً واستطاع أن ينجو من المعركة بالقليل من الخسائر، وربما الكثير من النفع.

لحق هذه الحادثة بعد بضعة أشهر موضوع آخر مثير للجدل بحث فيلكس عندما نعت أحد اللاعبين في لعبة جماعية وعلى الهواء مباشرة بأنه زنجي لعين what a fucking nigger وبهذا دخل فيلكس بدوامة أخرى من الجدل والهجوم من الإعلام التقليدي. حسناً في هذه المرة كان مخطئاً فعلاً… وقال كلمة مهينة بحق فئة من البشر بطريقة جدّية بعيداً عن الكوميديا المعتادة في قناته.

المميز في الحادثة الثانية أن فيلكس لم يكن هجومياً كما كان في الحادثة الأولى، إذ كان مدركاً أنه على خطأ… اصدر اعتذاراً وكرر اعترافه بهذا الخطأ في كثير من المواقف. وهذه من أفضل الصفات الموجودة في فيلكس، معرفة الصواب والخطأ ومعرفة متى يجب عليه الدفاع عن نفسه ومتى يجب أن يعتذر. وفي الحالتين كان هو الفائز في النهاية، لانه تصرف بالشكل الصحيح في الوقت الصحيح.

لماذا نحتاج لفيلكس عربي الآن؟

قد تناقش بأننا نمتلك سلفاً شخصيات مؤثرة في العالم العربي ولديها قواعد مشاهدين ضخمة تقف في وجه اليوتيوبر التافهين مثل دايلر وسعودي ريبورترز وغيرهم من أصحاب المحتوى الذي لا قيمة له على المنصة، وربما تكون محقاً بذكرك العديد من الشخصيات التي قد تتضمن الشقيري، واحمد خيري العمري، وشخصيات دينية واجتماعية أخرى قدمت محتوى ترفيهي تعليمي تثقيفي على مدى السنوات السابقة وكانت تمتلك قاعدة مشاهدين لا بأس بها.

ولكن هذا ليس ما نحتاجه تحديداً. الفئة التي تشاهد هذه الشخصيات هي الفئة النيتش التي تستهدفها هذه الشخصيات بمحتواها، لنقل الشقيري مثلاً، يستهدف بمحتواه ربات المنازل والشباب المتحمس الذي يرغب بتحسين نفسه ويريد معرفة الطريق، أو بالأحرى الطريق الذي سلكه بقية العالم. الشقيري بنى قاعدة مشاهديه حول محتواه، وكبرت هذه القاعدة كلما كان محتواه generic اكثر وشاملاً لمجالات أكبر.

الوعظة الدينيون أيضاً قدموا محتوى محافظاً، يستهدف الفئات المحافظة في المجتمع، بينما قام المفكرون والفلاسفة الملحدون باتخاذ الفئات الملحدة من الشباب او الفئات التي تشك في دينها لتوجيه الخطاب. وكل هذه الخطابات لم تكن تحديداً تظهر أفعالاً، إلا اللهم بعض الشخصيات التي كانت تقوم بشيء ما، مثلاً الشقيري، الذي لم يكن محتواه ذا توجه ديني مباشر -مبطّن أجل ولكنه ليس مباشراً- وبقية الشخصيات المشهورة الأخرى اعتمدت الخطاب الوعظيّ البعيد عن الأفعال، وتحولت لمنصات إذاعة بدلاً من الشخصيات الحقيقية التي يمكن التواصل معها والشعور بها.

فيلكس لم يبن قاعدة متابعيه حول الكتب، أو تحسين الذات، أو عيش الحياة، ولم يقدم يوما خطاباً وعظياً مباشراً، ولم ينصح بفعل شيء أو التوقف عن شيء، لم ينشر أجندته الدينية من خلال قناته منذ إنشائها. ببساطة، فيلكس بدأ كشخص يصور نفسه وهو يلعب ألعاب الفيديو ليجد نفسه في أحد الأيام مشهوراً جداً، وبدلاً من أن يتحول لشخصية مسرطنة قرر أن يفعل الصواب. لا أن يقوله، لا أن ينصح به، فقط يفعله.

فيلكس كان يستهدف فئة معينة من الأشخاص، فئة ضخمة دون شك -محبي ألعاب الفيديو في العالم أجمع بلغة يفهمها نصف العالم تقريباً- وبعد أن شعر أن بيده قوة لا يجب عليه أن يسيء استخدامها قرر أن يفعل الصواب. وأثر بالأشخاص نفسهم الذين يتابعونه لألعاب الفيديو، الأطفال والمراهقين والشباب الذين تابعوه لأجل الكوميديا… وهي فئة أشمل بكثير من ربات المنازل، او متبعي الديانة الفلانية.

نحن بحاجة لشخص يمتلك سلفاً قاعدة مشاهدين واسعة، ويمتلك سلفاً قوة التأثير بهذه المجموعة الضخمة من الأفراد، ودون أن يعلن عن نفسه كمصلح اجتماعي أو كيسوع مخلّص جاء لتنظيف الأرض من رجس البشر، دون أن يفعل هذا، يبدأ العمل على تغيير المجتمع حوله، نكتة سخيفة بعد الأخرى.

تلك الحادثة في الصراع الكوري-الكوري عندما فقدت كوريا الشمالية غواصة وطاقمها من تسع افراد في “معركة” ضد شبكة صيد جنوبية

لا أمزح حتى، هذا المصدر https://en.wikipedia.org/wiki/1998_Sokcho_submarine_incident

كترجمة سريعة للمقال، الأحداث جرت كالتالي:

  • غواصة شمالية دخلت المياه الجنوبية في مهمة تجسس مع طاقم من تسع اشخاص
  • في صدفة غريبة، علقت الغواصة بشباك سفينة صيد جنوبية “هل الامر مقصود، ام هو صدفة، لا اعلم”
  • عندما لاحظ الصياد ان الطاقم حاول فك السفينة من شبكة الصيد اتصل بالبحرية الجنوبية
  • البحرية حينها قطرت الغواصة نحو قاعدة بحرية قريبة لها وخلال الطريق الغواصة غرقت وتوقفت عن العمل
  • لم يتم تحديد سبب الغرق “هل هو بسبب عطل سببته شبكة الصيد ام بسبب شيء اخر”
  • عندما تم فتح الغواصة وجد فيها الطاقم “بين مقتول ومنتحر” وتم العثور على جميع الملفات التجسسية التي قام بها الطاقم في الغواصة

وهكذا خسرت كوريا الشمالية معركة بين غواصة وتسع أشخاص مدربين مقابل شبكة صيد جنوبية وحيدة