بناء الشخصيات – سلسلة كتابة القصص [1]

بناء الشخصيات – Characterization هو محاولة شرح صفات شخصيّة في قصّة من لحظة تعريفها وحتّى نهاية دورها، هذه العملية هي ما يجعل القارئ قادراً على التفاعل مع هذه الشخصيات وفهم دوافعها وأهدافها ويجعلها أكثر “إنسانيّة” بعينه. تتضمن هذه الصفات خمس عناصر: الصفات الجسدية، الحركات، الأفكار، ردود الأفعال، طريقة الحديث.

يتم بناء الشخصيات في القصة بأسلوبين أساسيّين، الأول من خلال سرد صفاتها بشكل مباشر، كأن تقول شخصية عن شخصية أخرى أنّها “مخادعة” أو من كلام الراوي والثاني من خلال عرض هذه الصفات ضمن الأحداث، كأن يحاول الشخص خداع أحدهم.

ولكن، قبل الخوض بهذين الأسلوبين وكيف يمكن أن يفشل الكاتب في استغلال كلّ منهما، فلنتحدث أولاً عن تجنّب بناء الشخصيّة من الأساس. وهنا ربما علينا البدء بالسؤال الأهمّ؛

لماذا قد يرغب الكاتب في تجنّب بناء الشخصيات؟

الإجابة بسيطة: خيال القوّة – Power Fantasy والهرب من الواقع – Escapism.

ولأوضّح من البداية، خيال القوّة والهروبيّة، كلاهما هدفان يمكن أن يعمل الكاتب ليصل لهما، هناك جمهور يرغب بمتابعة هذا النوع من القصص، وهناك سوق منتعش لها في كافة أوساط الميديا القصصية، لذا من المنطقيّ جداً أن يرغب الكاتب الابتعاد عن بناء شخصيّاته أو على الأقلّ تجنّب بناء شخصيّته الرئيسيّة ليكون المشاهد قادراً على عكس نفسه عليها، وبالتالي تحقيق خيال القوّة هذا وهربه من الواقع.

نقاش كون الهروبيّة نفسها أمراً سيئاً أم لا هو نقاش آخر، ونقاش سببها كذلك ربما يستحقّ أبحاثاً مطوّلة، ولكنّ هذا التوجّه في الأعمال الفنّية والترفيهيّة، وخصوصاً القصصية منها، موجود، وبالتالي سيكون هناك كتّاب يعملون لتغطية هذه الحاجة في السوق.

ولكن، على الرغم من أنّ خيال القوة والهرب من الواقع أمران موجودان ولهما سوق، قد لا يكون الهدف من إبقاء بناء الشخصيات محدوداً هو إرضاء هذا السوق وقاصديه، بل للتغطية على مشاكل في القصّة، لم يرغب الكاتب في محاولة حلّها. تجنّب بناء الشخصيّة من الأساس يوفّر على الكاتب الكثير من المعضلات المستقبلية ويقدّم له حلولاً سهلة وسريعة لها.

الفصل والتمييز بين الحالتين السابقتين صعب، معرفة هدف الكاتب من شيء عرضه في القصة دائماً محلّ نقاش ومن الصعب تحديده بدقّة، ولكن ما يمكن تحديده بدقّة هي الأساليب والأدوات التي يمكن استخدامها لتجنّب بناء الشخصيات.

كيف يهرب الكاتب من بناء الشخصيات؟

بشكل عام، لا يمكن لنقطة واحدة من النقاط التي سأذكرها أن تهدم بنفسها بناء الشخصيّة أو تفسده، ما يفسد بناء الشخصيّة هو تجنّب هذه النقاط بهدف تجنّب بناء الشخصيّة، وليس لعدم احتياج الكاتب إليها.

  • الهرب من إظهار البيئة التي نشأت فيها الشخصيات وتجنّب عرض تأثير هذه البيئة على أفعالها.
  • التركيز على الهدف دون تبرير الدوافع، والاعتماد على مفهوم القارئ أو المتابع للأهمّيّة لتبرير الدوافع بدلاً من تبريرها بعين الشخصيّة نفسها.
  • تجنّب تقديم تبريرات داخليّة من الشخصيّة، والاعتماد على فرض الأحداث عليهم، كأن يجبر البطل على أن يكون جزءاً من الصراع بسبب دمار وطنه، دون محاولة تبرير نظرته نحو الصراع أصلاً أو إعطائه الفرصة الكافية ليبدي ردّة فعل لدمار وطنه.
  • الإغراق في التفاصيل، واستخدام هذا الإغراق في التفاصيل لشدّ انتباه القارئ بعيداً عن الشخصيّة نفسها ونحو ما يحيط بها من العالم.

كما قلت في البداية، قد يكون المقصود أصلاً تجنّب بناء الشخصيّة، أو ربما لا يكون هناك داعٍ لعرض بيئة البطل أو تقديم تبريرات داخليّة لغرض ما في القصّة، كمحاولة لدفع القارئ أو المتابع لتحليل هذه الشخصيّة وفهم هدفها… الأمر يعتمد في النهاية على السياق، وهل كان الكاتب موفّقاً في الوصول إليه هدفه أم لا.

ولكن، لا تنتهي المشاكل هنا، فكتابة الشخصيّات بكسل تؤثّر أيضاً على بناء الشخصيّات.

طرق كسولة في بناء الشخصيات

بشكل عام، الكتابة الكسولة للشخصيات تعتمد على أمرين رئيسيّين: الصور النمطية وصفات الشخصيات.

الصور النمطية

الصور النمطيّة أو الأنماط البدائيّة – Archetypes هي “نماذج” كاملة للشخصيّات، كشخصية البطل – Hero أو نقيض البطل – anti-hero أو الشرير villain أو الفتاة السجينة Damsel in Distress، يمكن لأيّ شخص تخيّل هذه الشخصيّات بمجرد الحديث عنها وصورتها موجودة في ذهنه بشكل تلقائيّ.

على سبيل المثال، لو قال أحد أن الشخصية الفلانيّة في قصّته هي “الفتاة السجينة” فسيفكّر القارئ مباشرة أنّ هذه الفتاة في محنة ما، وأن البطل هو من سينقذها في النهاية، وأن الشرير هو من وضعها في هذه المحنة أو كان له دور في وضعها في هذه المحنة. قد تكون المحنة سجنها في برج محروس بتنّين، أو تسميمها بتفّاحة تضعها في سبات عميق، أو لعنة تحوّلها إلى غولة بعد غروب الشمس.

مصطلح الصور النمطية أو الأركتايب هو مصطلح ابتكره كارل يونغ، ولا يمكن الحديث عن الأوّل دون الآخر.

الصور النمطيّة جزء رئيسيّ من الكثير من القصص، وبالملاحظة الدقيقة ستجد أنّها فعلاً جزء من بعض أفضل الأعمال الفنّية القصصية، سواء كان الحديث عن الرسوم المتحرّكة، الروايات، أو حتّى العاب الفيديو. وهذا يثبت أنّ وجودها بنفسه لا مشكلة فيه. المشكلة في طريقة استخدامها، وهو ما سأصل إليه بعد قليل.

صفات الشخصيّات

صفات الشخصيات – Character Traits هي الأجزاء التي تميّز شخصيّة عن الأخرى، كالكذب والصدق، الذكاء والغباء، وغيرها من المتضادّات. هذه الصفات عادة هي ما يخلق الصراع بين الشخصيات أو يدفعها لتساعد بعضها للوصول إلى الهدف النهائيّ، وتغيير هذه الصفات هو ما يسمح للقارئ معرفة ما يطرأ على الشخصيّة من تغييرات، وكيف أثّرت الأحداث عليها.

استخدام ملف الشخصيات في بناء الشخصيات

بشكل عام، تستخدم صفات الشخصيّات لبناء “ملفّ الشخصيّة” والاعتماد عليها كخطوط رئيسية أو ملاحظات عامّة لتسهيل تذكّر الشخصيّات على الكاتب لا ضير منه.

إذاً أين المشكلة؟

مجدداً، لا يمكن لأيّ من هذه المشاكل أن تكون وحدها سبباً لكون بناء الشخصيّة سيئاً أو لكون القصّة بأكملها سيّئة، وجودة استخدامها أو عدم استخدامها متعلّق بشكل كامل بالسياق.

  • الاعتماد بشكل كامل على الصور النمطيّة في كلّ جوانب القصّة دون استغلالها والبناء عليها.
  • رمي المعلومات بشكل مباشر وكأنّها مسرودة من ملفّ الشخصيّة بدلاً من كشفها بما يلائم السياق.
  • عدم فهم الطريقة التي تتفاعل فيها الصفات مع بعضها، وتجنّب إظهار تأثير هذا التفاعل بين الصفات على الشخصيّة والقصّة.
  • عدم إظهار تأثير الصفات الشخصيّة على أفعالها من الأساس.
  • الهرب من استخدام الصفات في حلّ للعقد الظاهرة في القصّة، والاعتماد على الطرق السهلة التي لا تحتاج لإظهار أي جزء من الشخصيّة نفسها في الحل. قد يكون هذا ضرورياً في بعض الأحيان لإبقاء بعض صفات الشخصيّة مخفيّة لوقت لاحق، الأمر يعتمد على السياق كالعادة.
  • تجنّب وضع الشخصيات التي تختلف في صفاتها وطرق تفكيرها في صراعات مع بعضها، وتجنّب خلق نقاشات بين هذه الشخصيات والاكتفاء بإعادة سرد حقائق يعرفها القارئ أو المتابع سابقاً لتبرير “حلّ التضاد” بين الشخصيات المتقابلة.
  • تجنب الحديث عن سبب كون الشخصية الرئيسية هو “الشخص المختار” والحديث عن دوره في الصراع.
  • استبدال الصراع الداخليّ – internal conflict بالحوار الداخليّ – Monologue لتجنّب الأوّل.
  • عدم إظهار صفات الشخصية ضمن الأجزاء الحركيّة والتفاعليّة في القصّة، والاكتفاء بعرضها بطريقة عامّة.

خلاصة

هناك الكثير من النقاط التي يمكن استغلالها لتجنّب بناء الشخصية بالكامل أو بناء الشخصية بشكل مستعجل، وهناك أسباب يمكن أن تبرر أحد هذه النقاط أو جميعها. السياق هو ما يحدد إن كانت الطريقة التي كتبت فيها الشخصيّة جيدة أم لا.

4 تعليقات

  1. أحد المشاكل ممكن تكون تزاحم المعلومات وسردها بطريقة صعبة على القراءة ان يستوعبها، هنا ممكن بناء الشخصية علو الورق كعنصار ممتاز جدا ولكن استعراض هذي الجوانب بطريقة سيئة يفسد هذا البناء

  2. واثق الشويطر (Watheq Alshowaiter)
    واثق الشويطر (Watheq Alshowaiter)

    مقال رائع وسلسلة منتظرة…
    هناك خطأ مطبعس أود التنويه له “الأعمال الفنّة والتفريهيّة”

  3. […] خطوة سبقني إليها الرائع دومًا هادي الأحمد في سلسلته: كتابة القصص، […]

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: