دارك سولز، طموح أم جشع

أنهيت قبل أيام الجزء الأول والثالث من لعبة Darksouls وعلى الرغم من أن هذا النوع من الألعاب لا يستهويني عادة إلا أن التجربة كانت ضرورية – أردت أن ألعب لعبة مختلفة عن ألعاب الشوتر التي ألعبها عادة، وبما أن الكثير من الأصدقاء كانوا يلعبونها أو أنهوها في الفترة ذاتها، وبما أن تجاربهم مع اللعبة كانت جيدة، قررت تجربتها، بداية من الجزء الأول بإصدار Remastered ومن ثم الجزء الثالث، متخطياً الجزء الثاني لكونه “أسوأ الموجود” في السلسلة.

بغض النظر عن جانب “اللعبة” من اللعبة، والعدالة التي تقدمها على شكل دورة الصبر الذي تطلبه من اللاعب في المحاولة، اكتساب القدرات، ومن ثم المحاولة مجدداً مراراً وتكراراً إلى أن يكون قادراً على اجتياز اللعبة بأكملها بسهولة في النهاية – على الرغم من هذا النظام المختلف في معاملة اللاعب عن أنظمة الألعاب التي “تأخذ بيده” ليصبح أفضل بدلاً من أن تتركه لذلك وحده، ما جذب انتباهي في وقت لاحق بعد إنهاء الجزء الأول هو القصة.

في الحقيقة، يمكنك فهم القليل جداً عن قصة دارك سولز أثناء اللعب، قد تفهم القصة بشكل عام من سير الأحداث والحوارات الضرورية التي عليك إجراءها مع الشخصيات المختلفة المنتشرة في مناطق اللعبة المختلفة، والتي تتقدم وتتحرك بتقدمك وتحركك في عالم القصة المتداخل، إلا أنها لن تكون مفهومة بالكامل من خلال اللعب فقط.

لتفهم القصة كاملة عليك أن تقرأ قصص عشرات الأسلحة والأدوات التي يمكنك استخدامها ضمن اللعبة لتفهم عن هذا العالم، وحتى حينها لن يكون المكتوب دقيقاً أو مباشراً، بل كما التاريخ الموجود لدينا اليوم، التاريخ الموجود في اللعبة هو ما حدث وجهة نظر كاتبيه، ولا ضمان على كون ذلك هو الحقيقة فعلاً.

والقصة التي تجمع شتاتها من هذه النصوص، لا تبني فقط العالم بطريقة مذهلة، بل تعرض الملحمة التي تجري بين شخصياتها، وهذا برأيي ما يجعل قراءتها والاطلاع عليها – حتى ولو بدت “واجباً” إضافياً بجانب اللعبة الأصليّة نفسها – تجربة ربما تصبح أفضل من تجربة اللعبة نفسها.

ملاحظة: هذا المقال مستعين بشكل كبير على شرح VaatiVidya للقصة، ولكنّه يركّز أكثر على المعنى وراءها بدلاً من أحداثها.

لنبدأ مع غوين، والخدعة الكبرى

في البداية، كان هناك التنانين، ومن ثم كانت هناك النار، هذه النار أتاحت للكائنات الأخرى وللمرة الأولى فرصة لقتال التنانين، وامتلاك العالم لأول مرة. في هذه الحرب قاتل غوين إلى جانب إيزاليث الساحرة ونيتو ملك الموت والبشر. مقدّمة القصة تظهر وكأنها مكتوبة بلسان غوين، حيث تتجاهل دور البشر تماماً في هذه الحرب، على الرغم من قتالهم فيها، وتضع غوين على رأس المجموعة، وكأنّه صاحب الفضل كلّه. غوين الذي بعد انتصاره في الحرب ضد التنانين بدأ يثبّت نفسه فوراً كإله على هذا العالم الجديد.

وبالفعل، نجح غوين في هذا؛ فبسبب طموح إيزاليث الجشع ورغبتها في استنساخ النار – محاولتها الفاشلة في هذا خلقت عرقاً جديداً من الشياطين، ما أعطى غوين مبرراً لتدمير إيزاليث وقمع أهلها. ملك الموت نيتو كان راضياً عن فترة حكم غوين، فطالما هناك تضحيات وموتى يرسلون إليه، لم يكن لديه دافع للقيام بأي شيء ضدّ الآلهة الجدد.

أمّا البشر فقد استطاع خداعهم بطرق عديدة، بإعطائهم مدناً خاصة “لحمايتهم” من العالم الخارجيّ، كالمدينة المسوّرة، أو بإعطائهم جزءاً من ناره الأصليّة، كالملوك الأربعة المشرفين على نيو لوندو، ولكن في كل الأحوال لم يكن هذا من طيبة قلبه أو حبّه للبشر – بل خوفاً منهم.

الأرواح الأصليّة الأربعة، الطمع والعدالة

لماذا خداع البشر تحديداً وليس الدخول في حرب معهم؟ أليس خوفه من الشياطين والفوضى الثائرة في إيزاليث مبرراً أفضل للخداع؟ أو ربما ملك الموت القادر على إعاثة الفساد في مملكته؟ أو ربما التنانين الخالدين الموجودين في العالم وعودتهم المحتومة إلى السطح؟ حسناً، كل هؤلاء استطاع غوين هزيمتهم، إيزاليث لم تصمد طويلاً أمام الفرسان السود، نيتو يرغب بالموت ولا يهتمّ لمصدره وهو سعيد بعصر الآلهة، والتنانين هُزموا مرّة وسيهزموا مرّتين.

أمّا البشر، فأمرهم مختلف.

في البداية، كان هناك أرواح أربعة، غوين أخذ روحاً لنفسه، وبعد انتهاء الحرب وزّعها على أربع أفراد مخلصين له، إيزاليث حاولت نسخ خاصتها لتفشل وتظهر الفوضى والشياطين ما حوّل روحها إلى نار الفوضى التي تشاركتها مع بناتها السبعة، ونيتو احتفظ بخاصته لنفسه معيداً الموتى إلى الحياة في قبور المدينة.

أما البشر؟ البشر امتلكوا الروح السوداء أو الروح المظلمة، تلك التي وجدها الأقزام ولم يحتفظ بها شخص واحد بل توزّعت على عرق بأكمله، تلك الروح أعطتهم ذاك الشيء الذي يدعى بالإنسانيّة، ولم يعيّن أحد نفسه فوقهم أو سيّداً عليهم بقوّة هذه الروح كما فعل غوين مثلاً – بل امتلكوا جميعاً الفرصة ليكونوا أسياد أنفسهم.

الروح السوداء هي المعاكس تماماً للأرواح الثلاثة الأخرى – بينما عبّرت نار غوين عن النور، عبّرت الروح السوداء عن الظلام، وبينما عبّرت نار إيزاليث عن الفوضى، عبّرت الروح السوداء عن السكينة، وبينما عبّرت روح نيتو عن الموت، عبّرت الروح السوداء عن الحياة.

وبشكل مشابه، لم تكن الروح السوداء حكراً على فرد أو مجموعة صغيرة بل كانت للجميع، لم تكن الروح السوداء قادرة على منح المجد الفوريّ لأصحابها بل طلبت منهم الانتظار لانتهاء عصر النار وبداية عصر الظلام، ولم تعطهم أيّ “هديّة” بل كانت عليهم لعنة في النهاية.

الهاوية

في الجزء الأول نرى محاولة غوين لخداع البشر في نيو لوندو، المدينة التي بنيت لتحاكي مدينة الآلهة آنور لوندو؛ في محاولته تلك يعطي غوين جزءً من ناره ل”ملوك” المدينة المثاليّة التي صنعها للبشر. هذا التصرّف لم يكن حبّاً لهم، بل حركة احترازيّة لما قد يبدر منهم – وما قد يبدر منهم لم يكن معروفاً في البداية، إلا أن الهاوية سرعان ما ظهرت بتحفيز خارجيّ من ثعبان عجوز غير قاصد، لتلتهم كلّ شيء في المدينة وتجبر غوين على إغراقها وإبادة سكّانها في محاولة لإيقاف انتشار الهاوية التي تلتهم كلّ شيء.

ربما كان هذين الحديثن مرتبطين، ربما مكر غوين وخداعه للبشر هو ما دفع الروح السوداء لتلعن حامليها وتلتهم الوجود، وربما كان الأمر كلّه -كما قال الثعبان- مجرّد فشل من طرف البشر، فشل في إدراك الهدف من قوّة الروح السوداء وطريقة استخدامها، هذا الفشل نفسه هو الذي ولّد الهاوية ودفع غوين لإغراق المدينة خوفاً من انتشارها.

كانت هذه الروح السوداء قادرة على أن تصبح كابوساً بلحظات وتلتهم كلّ شيء إلى العدم، الهاوية أو الAbyss التي خشي غوين أن تنهي عصره، موجودة داخل كلّ بشريّ، ولا يمكن لغوين اجتثاثها بالكامل مهما حاول… وهذا عنى أنّه مضطّر للبحث عن طريقة أخرى لاحتوائها. في الوقت ذاته أو ربما قبل هذا حتّى، بدأت نار روح غوين بالانخماد، وبدأ عصر النار بالأفول – وهنا أخيراً سيستطيع البشر جني ثمار صبرهم وانتظارهم، وقت حصولهم على العدالة والرفاهية التي لطالما انتظروها، حاكمين أنفسهم دون إشراف الآلهة، ودون رعب التنانين.

ولكن، كان عند غوين خدعة أخيرة…

لعنة الموتى

تبدأ اللعبة مع “النصف حيّ” أو “النصف ميت” المختار، الشخصية التي ستقرر أنت خياراتها في اللعبة، عند قرع الجرس للمرة الأولى، على المختار أن يهرب من سجن الموتى الموجود فيه، متوجّهاً نحو المدينة، مستعيناً بالنيران الصغيرة المتوزّعة حولها يمكن لهذا المختار أن يرتاح ويستجمع قواه، لينطلق في رحلته إلى قرع الجرسين، أولهما في أعلى نقطة في المدينة، والآخر في أدنى نقطة منها.

بعد قرع الأجراس سيكون المختار قادراً على الوصول إلى آنور لوندو، مدينة الآلهة، ليحصل على وعاء كبير قادر على مزج الأرواح – وهنا سيتعرّف هذا المختار على مهمّته الحقيقية – من لسان ثعبان عجوز -مختلف عن ذاك الذي أغرى البشر في نيو لوندو- يدّعي أنه موجود لمساعدة هذا المختار على أداء مهمّته؛ على المختار الآن أن يجمع أجزاء روح غوين الأربعة وروح إيزاليث وروح نيتو، يجمعها في الوعاء، ومن ثم يذهب إلى غوين نفسه وقتاله لأخذ روحه الأصليّة، ومن ثم استخدام هذه الأرواح لاستعادة النار في هذا العالم.

النار ستزيل اللعنة، ستعيد كل شيء كما كان، لن يكون هناك أنصاف موتى، لن يكون هناك عديمو الأرواح، لن يكون هناك حروب، سيعود كل شيء كما كان.

كل ما عليك فعله هو أن تضحّي بنفسك، تشعل النار وتعيد النور لهذا العالم.

هذه خدعة غوين المطوّلة، ولسنين طويلة وقع البشر ضحيّة لها، مضحّين بأنفسهم لإعادة إشعال النار، فقط لتخمد لاحقاً، في دورة مستمرة إلى ما لا نهاية.

رمزية أم حرفيّة؟

الدورة في هذا العالم رمزية وحرفيّة في آن واحد، فمن طرف هناك دائماً بشريّ جديد يضحّي بنفسه، ولو لم يكن نفسه في كل مرة، وكأن العرق البشري عالق في دورة رمزية من التضحية – ومن طرف هناك الدورة الحرفية، التي تبدأ بإشعال النار، عودة الحياة لما كانت عليه قبل إخمادها، وعودة كل شيء كما كان، ومن ثم انخمادها من جديد وضرورة إشعالها.

هذه الرمزية والحرفية موجودة في كل شيء في عالم القصة، حتّى عند الحديث عن الزمان والمكان المتداخلين. الطريقة التي يسير فيها الزمن في اللعبة ليست واضحة – وهذا جزء يضيف لصعوبة فهم ترتيب أحداث القصة، فكلّ شيء حدث سيحدث، وكلّ شيء يجري هنا قد جرى في مكان آخر، أحياناً بالأحداث نفسها والترتيب نفسه والأشخاص نفسهم، وأحياناً بمتوازيات ترسم بين الماضي والحاضر، وتشابهات “فقط” دون أي حرفيّة في التكرار.

على سبيل المثال، في الجزء الأول تشير القصة لكون الدورة تحدث بحذافيرها في كلّ مرة، مع نفس الملوك، ونفس الإلهة، ونفس الأحداث، وكأن غوين يرغب أن يعيش للأبد في عصره الذهبيّ؛ ففي كل مرة يضحي بشريّ مختار بنفسه فداء لبقاء النار، يعود غوين، يعود الملوك الآخرين، وتعاد نفس الأحداث من جديد… المختلف فقط في كل دورة هو المختار، وقراراته التي ستغيّر العالم.

في الجزء الثالث يختلف الحديث، إذ تخبرنا القصة أن هذه الدورات ليست مثالية، المكان والزمان متداخلين، كل دورة تحدث تترك أثراً على العالم، وهذا الأثر لا يمكن إنكاره، ملايين البشر حاولوا ونجحوا وفشلو في إشعال النار، وهذا ما غيّر نظام العالم بأكمله شيئاً فشيئاً، المدن بدأت تتداخل وتتباعد، والجثث بدأت تتراكم، والموتى الذين يفشلون في إشعال النار أصبحوا يحرقون إلى رماد، ليعود هذا الرماد إلى الحياة، ويكمل دورة النار من جديد.

لم يعد هناك نيتو ملك الموت، ولكن في المقابل كان هناك ألدريتش ملتهم البشر ومن ثم ملتهم الآلهة ليمثّل الموت والظلام في العالم – لم يكن هناك إيزاليث وفي المقابل كان هناك يورم الذي ضحّى بنفسه في محاولة السيطرة على النار الملعونة، بطريقة مشابهة لتضحية إيزاليث للسيطرة على نار الفوضى – لم يكن هناك سيث التنين الخائن وفي المقابل كان اوسايروس… وكلّ الشخصيات المهمّة الأخرى يمكن رسم موازيات بينها وبين الدورة الأولى، ولو أن هذه الموازيات ليست حرفية في القصة ولا رابط فعليّ بينها، إلا أن رمزياتها تبقى، لتبقى مجدداً الروح السوداء، البشرية، المقابل المتضاد مع كل هذا.

في الجزء الثالث، تضع القصة ثقلاً أكبر لطموح كل واحد من الملوك الأربعة، وبشكل مثير للسخرية تسحق أهمية طموح الخامس – الوحيد الذي “تطوّع” منهم لإشعال النار. ربما لأنّه لم يكن متطوعاً أصلاً، فقدميه المقطوعتين وجسده الهزيل دليل ربما على إجباره الخضوع لتلك العملية المؤلمة.

يورم طمح ليجلب الشرف والكرامة لعرق العمالقة، الذي تعرّض لمضايقات واستعباد مستمرّ حتى عند مشاركته في حرب التنانين العظمى. ألدريتش أراد أن يتخلص من لعنة النار بطريقة أخرى، ولكن على خضوعه للظلام، ورآى أن بحر الظلام هو الحلّ الوحيد لهذا العالم. لوثريك ولوريان أرادا للنار أن تنخمد وحدها، وانتظرا تلك اللحظة متحصّنين في قلعتهما. ومراقبوا الهاوية، فرسان ضحّو بكل شيء لمحاولة احتواء الهاوية، التي التهمتهم في النهاية وجعلتهم يصبحون الشيء نفسه الذي أقسموا على قتاله.

الطموح نفسه الذي دمّر الكون على يد غوين في المرة الأولى، يعود مجدداً لتدميره في كلّ مرة… لتذكّر القصة في كلّ مرة أن الطموح القائم على مصالح الآخرين جشع، والكون سيقاوم دائماً هذا الجشع.

تعليق واحد

  1. […] العالم الخارجي وأسترد طاقتي من خلاله (تمامًا كما فعل هادي الأحمد مع دارك سولز)، وأذكر أن ذات الأمر وذات المشاعر تملكتني حين تحدّثت […]

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: