بورتال 2، أفضل جزء ثان

في 2005، يكتشف أحد موظّفي شركة Valve لعبةً صنعها مجموعة من الطلاب كمشروع تخرّجهم باسم Narbacular Drop، ويطلب من هذا الفريق الشاب تجهيز عرض تجريبيّ من اللعبة لعرضه في مقرّ الشركة، هناك، وبعد انتهاء عرض اللعبة، يوظّف Gabe Newell الفريق كاملاً، فوراً، دون أي مقابلات إضافيّة، وعند سؤاله عن سبب قراره هذا لاحقاً أجاب ببساطة “they had actually carried the concept through” أي “قاموا فعلاً بتطبيق المفهوم بشكل جيّد”.

هذه اللعبة ستتطوّر لاحقاً لتصبح واحدة من أكثر الألعاب أيقونيّة في مجال ألعاب الشخص الأول والألغاز، ولتصدر بجانب هاف لايف وتيم فورتريس ضمن مجموعة الصندوق البرتقاليّ The Orange Box، لعبتان من أكثر الألعاب شهرة وشعبيّة.

تأثير Valve

لا أفضّل عادة الحديث عن “صانع العمل” عندما أحاول إيصال فكرة متعلقة بالقصّة -وهذا هدف المقال الأصليّ- ولكن في حالة بورتال من شبه المستحيل الوصول للنتيجة النهائية دون الحديث عن تأثير ثقافة الشركة على بناء هذه اللعبة، فهي غارقة في هذه الثقافة ومبنية عليها من الثانية الأولى لاكتشاف الموظف لنارباكيولار دروب وحتى إصدار الجزء الثاني.

أغلب أسهم الشركة موجودة بيد غيب نيويل، أحد مؤسسيها، وبقية الأسهم موزّعة بين موظّفيها. قصّة غيب طويلة جداً، ولكنّه مؤثر رئيسي على ثقافة الشركة وخياراتها كونه يمتلك أغلب الأسهم.

هذا يعني أنّهم لا يخضعون لأي “سلطة خارجيّة” تؤثر على قراراتهم، لا يوجد مجلس إدارة يدفع مطوّريهم إلى نشر ألعاب رديئة لتحقيق الربح، واكتفاء الشركة بأرباح ألعابها الجماعية ومتجرها الإلكترونيّ يجعلها أكثر قدرة على التركيز على مشاريع الألعاب التي يرغبون بصناعتها بدلاً من تلك التي “عليهم صناعتها” لتحقيق الربح.

ثقافة “الاستحواذ” في هذه الشركة مختلفة جداً عن غيرها؛ السبب الرئيسي الذي قد يدفع فالف إلى الاستحواذ على شركة ما هو الرغبة في الحصول على المطوّرين “مع حقوق استخدام أفكارهم” واستخدام إبداع هؤلاء في العمل على مشاريع مختلفة بدلاً من استغلال هذه الأفكار لإنتاج المزيد من الألعاب الاستهلاكيّة.

مصطلحات مثل “توقيت فالف” و”مكاتب فالف لها عجلات” نابعة من ثقافة هذه الشركة أيضاً في طريقة عملها على المشاريع وإنتاجها؛ فبسبب عدم إضطرار فرق التطوير إلى الإلتزام بمواعيد نهائيّة، وبسبب حريّة الانتقال بين المشاريع، تميل أغلب هذه المشاريع إلى الإلغاء في مرحلة ما بسبب عدم رضى المطوّرين عن الفكرة، أو بقاء العديد منها في مرحلة الإنتاج لفترة طويلة جداً، مثلما حصل في Half Life Alyx على سبيل المثال.

يمكنك ملاحظة دور ثقافة الشركة في إنتاج لعبة مثل بورتال، من لحظة توظيف الفريق، التي شعر فيها غيب أنّه عليه توظيفهم دون أيّ مبرر مادّيّ، وحتى استخدام المفهوم الغريب، والمخاطرة بربطها بسلسلة كلاسيكية مثل هاف لايف ونشرها مع هذه اللعبة.

بورتال الأولى

عمل على الجزء الأول من بورتال عشر أشخاص فقط من مطوّري فالف، وفي البداية، لم يكن لديهم سوى “المفهوم” المعروض في النسخة التجريبية من نارباكيولار دروب. مع ذلك عمل هذا الفريق الصغير على إنهاء أجزاء كبيرة من اللعبة وإدخالها في مراحل التجارب – أغلب الأغراض الموجودة في اللعبة والمودلز المستخدمة كانت معتمدة على موارد هاف لايف في محرّك سورس.

في تجارب اللعبة، نال مفهوم البوابات ذاته الكثير من التعليقات الإيجابيّة، واستمتع الكثير من مجرّبي اللعبة بالألغاز الموجودة، ولكن السؤال الأكبر كان “ما السبب وراء هذه الألغاز والأحاجي أصلاً؟”

قصّة القصّة

عمل على كتابة القصة ثلاث من كتّاب فالف العاملين على قصّة هاف لايف، مارك ليدلو، الكاتب الرئيسي، وولباو وفاليسزيك ككاتبي حوارات – السبب “الجزئيّ” وراء الاعتماد على كتّاب هاف لايف في هذه اللعبة كوميديّ بحدّ ذاته، فقد قام الفريق بطلب تضمين اللعبة في عالم هاف لايف لرغبتهم في الاعتماد على نفس العناصر التصميميّة للعبة بدلاً من إنتاج نمط بصريّ جديد خاصّ بها بسبب ضعف قدرتهم الفنّية.

اعتنق المطوّرون التوجّه الكوميدي بعد عرض بعض الحوارات الفكاهيّة على لسان الذكاء الاصطناعي الذي يوجّه اللاعب، لأنّ هذا التوجه الساخر “أقرب لنظرتهم لهذه اللعبة” وفي وقت لاحق، وبعد جلسة صمت دامت لخمس عشر دقيقة فكّر فيها الكتّاب والمطوّرون بخصوص الفلسفة التي سيعتمدون عليها في تحفيز اللاعب للوصول للنهاية، قال أحدهم ببساطة “الكثيرون يحبون الكيك.”

وهكذا ولدت العناصر الثلاثة الرئيسية التي تعرّف بورتال اليوم؛ الكوميديا، غلادوس، والكيك.

حظّ سيء وحظّ جيد

في البداية، كان من المفترض أن تمرّ اللعبة بثلاث مناطق رئيسية، الأولى منطقة الاختبارات الموجودة في اللعبة اليوم، الثانية منطقة الهرب الموجودة أيضاً، والثالثة منطقة مكاتب موظّفي الشركة التي تخلّى فريق التطوير عنها في النهاية بسبب ضعف ومحدودية مواردهم. بسبب هذا التعديل، أصبح الوقت اللازم لإنهاء اللعبة أقلّ بكثير مقارنة بهاف لايف المرفقة معها، وجعل بعض الأجزاء التي أراد الكتاب استعراضها واللعب عليها صعبة التطبيق.

ولكن في نفس الوقت، كان هذا من حظّ بورتال كسلسلة، فالأفكار المفترض استخدامها في الجزء الأول أعطت أملاً للعمل على جزء ثانٍ، وهذا ما أشار له الفريق مراراً وتكراراً في أغنية النهاية للعبة – في هذه الأغنية الكثير من التلميحات إلى أشياء مثل مشاكل التطوير ووجود جزء ثان وحتّى تفسير النهاية.

وبطريقة مشابهة لما حصل في الجزء الأول، وأثناء العمل على الجزء الثاني، ومن نفس الجامعة التي تخرّج منها فريق نارباكيولار دروب، تستحوذ فالف على فريق تطوير آخر قام بتطوير لعبة تدعى Tag: The Power of Paint. لتوظيف إبداعهم وميكانيكيات لعبتهم في الجزء الثاني من بورتال. هذا أتاح للمطورين إمكانيّة التوسع في بناء عالم اللعبة وحتى تغيير النمط البصريّ المستخدم في الجزء الأول دون الحاجة للقلق بشأن التكرار أو الرتابة أو قِصر اللعبة.

التوازن المثاليّ

قدّم الجزء الأول من اللعبة التوازن المثاليّ برأيي، فقد وضعها في مكان جيّد ليتقبّلها لاعبو هاف لايف عن طريق تضمينها في الكون نفسه، ولكن أبقاها خارج الأحداث الرئيسية للقصة ما أتاح لها أن تبقى أصليّة وتستغل أفكارها الخاصّة. وازنت اللعبة أيضاً بين الغيمبلاي والسرد القصصي، ولم تكن “مجرّد ديمو لعرض التقنيات” بل استغلّت الغيمبلاي المميز والميكانيكيات التي ابتكرها الفريق في تقديم قصّة قادرة على ترك انطباع عند اللاعب بسبب أجواءها الخاصّة على الرغم من ان هذه القصّة قد جائت “عفوياً” بعد ابتكار ميكانيكيات اللعبة.

تعتنق بورتال أيضاً التوازن الرائع الموجودة في بقيّة ألعاب سلسلة هاف لايف، التي تسمح لأي شخص مهما كانت تجربته مع الألعاب معدومة، أن يبدأ اللعبة ويتقنها ويصبح قادراً على التلاعب بميكانيكيّاتها بفترة قصيرة جداً، وهذا عن طريق “المسار التدريبي الخفي” الذي تضعه فالف عادة في بداية ألعابها، هذا المسار التدريبي لا يهين اللاعب المخضرم، ولكنه يسمح للاعبين الجدد البداية من الصفر.

بورتال تأخذ هذا التوجه وتدفعه خطوة نحو الأمام، فهي تبسّط الكثير من المفاهيم الموجودة في ألعاب منظور الشخص الأول وتعطي إصداراً أكثر متعة لها، على سبيل المثال، تشرح اللعبة من البداية طريقة الحركة والنظر حول المكان، ومن ثم تقدم مفهوم البوابات خارج تحكم اللاعب، وتسمح له بالتفاعل مع البيئة من حوله عبر زر E الذي أصبح نوعاً من الستاندارد في عالم الألعاب.

الانتقال المتوازن التدريجي من مفهوم للآخر في التلاعب بعالم اللعبة والتحكم بهذا العالم من طرف اللاعب هو ما يجعل بورتال من أفضل الألعاب الأولى التي يمكن لوالديك على سبيل المثال تجربتها وإتقانها والاستمتاع بها، لأنها لا تعطيهم كل الميزات وتغرقهم في بحر من التفاصيل من اللحظة الأولى، بل تقدّم مفهوماً تلو الآخر وتسمح لهم بتعلم استغلاله تدريجيّاً. غرف الاختبارات بأكملها مصممة على هذا الأساس.

للاعب محترف، هذه التفاصيل ستخدم في كونها جزءاً من قصة اللعبة وستساعده في فهم تفاصيل العالم، وفي نفس الوقت ستسمح له فهم كل ما يجري حوله والتلاعب به قدر الامكان قبل الانتقال للمراحل الأكثر صعوبة وتعقيداً والتي يمكن أن تختبر قدراته، بينما للاعب الجديد فستكون أداة تدريبية ممتازة تجهّزه لتلك المراحل.

بورتال 2

الجزء الثاني من اللعبة كما نعلمه اليوم موجود بسبب الطريقة التي تعمل فيها فالف كشركة، كما أسلفت، جزء ضخم من اللعبة مبنيّ على أفكار فريق لعبة Tag: The Power of Paint وحفاظها على مفهوم البوابات موجود بسبب نصيحة غيب نويل، رئيس الشركة، الذي لاحظ ردود الفعل السلبية للّاعبين الذين جرّبو الإصدارات الأولى من اللعبة والتي لم تكن تتضمن أصلاً سلاح البوابات التقليدي.

الفكرة التي حاول فيها الفريق أولاً لم تكن أقل إبداعاً عن فكرة سلاح البوابات، بل يمكنني القول أنها أفضل بكثير من ناحية ميكانيكية وكان من الممكن أن تكون أفضل تجربة غيمبلاي في لعبة ألغاز لو تم استخدامها، ولكن فشلها في إرضاء اللاعبين عنى شيئاً واحداً؛ ما يحمل بورتال ويضعها في مرتبة عالية في قلوب المتابعين ليس الغيمبلاي فحسب، بل القصة وأجواء العالم.

الميكانيكيات المشطوبة من بورتال 2

التجهيز للإطلاق

عند إطلاق الجزء الثاني من اللعبة، تصدر فالف تحديثاً للجزء الأول تعدّل فيه النهاية بشكل طفيف، هذه المرة يسحبك شخص لداخل المنشأة بينما تفقد وعيك.

تصدر فالف أيضاً قصّة مصوّرة تحت اسم Portal 2: Lab Rat تعرض فيها الأحداث من وجهة نظر الشخصية الخفية التي رأيت آثار وجودها في المناطق الخفية من غرف الاختبارات، دوغ راتمان أحد “فئران الاختبار” الذين نجو من مجزرة غلادوس في الشركة وهو الشخص نفسه الذي ينقذك في النهاية الجديدة للجزء الأول.

في نهاية القصة المصورة يضعك دوغ في غرفة السبات التي تستيقظ فيها في بداية الجزء الثاني، يشغّل هذه الغرفة على مولّدات الطاقة الاحتياطيّة، ولا يضبط تاريخ إيقاظك منها – على أمل أن تستيقظ عندما تتوقف المنشأة عن العمل وتجد طريقك نحو السطح نحو عالم جديد.

ربما في يوم من الأيام أعود لأحكي الكثير عن دوغ راتمان وقصّته الحزينة المليئة بالشيزوفرينيا والاكتئاب والأمل واليأس، ولكن سأترك هذا حالياً مع الأسباب التي قد تدفعه لإعادتك للمنشأة مرّة أخرى، فالقصّة الرئيسية للعبة تحمل ما يكفي.

هذه الطريقة في تعديل القصة والتجهيز للجزء الجديد غريبة، ولكنّها تعتمد أسلوباً كتابياً تتبعه فالف من الجزء الأول لهاف لايف وحتّى الآن؛ القصّة تكتب وترسم أحداثها أثناء العمل على اللعبة وبحسب ما يرونه ملائماً بنفس الطريقة التي يصنع فيها الغيمبلاي والتقنيات المستخدمة فيه – الكتابة الديناميكية هذه سمحت لهم بالتجربة والتركيز على ما يرونه مهمّ واختباره دون الحاجة للقلق بشأن التسريبات أو الالتزام بخطوط معيّنة تحدّ من ابداعهم… بالطبع وضعهم هذا في حلقات مفرغة كثيرة من تجريب وترك الأفكار، ولكن هذا السبب أيضاً ما يجعل كل لعبة يصدرونها متقنة لهذه الدرجة.

خذ كل شيء جيّد في الجزء الأول

دليل المستخدم الخفي

من اللحظة الاولى التي تبدأ فيها اللعبة يبدأ دليل اللاعب الخفيّ بتعليم اللاعبين الجدد طريقة الحركة والتحكم بالكاميرا، لتكون اللعبة كما الجزء الأول خياراً ممتازاً أيضاً للاعبين الجدد وعديمي الخبرة بألعاب منظور الشخص الأول، وتتقن اللعبة هنا الموازنة بين دليل المستخدم هذا وبين إرضاء اللاعب القديم، معتمدة بشكل كبير على الحس الفكاهي المظلم الذي جعل الجزء الأول أيقونياً.

يخدم مشهد البداية هذا -إضافة لكونه دليل لعب للمستجدّين- دوراً قصصياً ممتعاً، فهو يضعك في نهاية القصّة المصوّرة التي نشرتها فالف، ويعطيك فكرة جيّدة عن الحال التي آلت له المنشأة بعد سنوات من النوم… الرقم الذي يقوله الروبوت الذي يحصي عدد الأيام التي بقيت فيها داخل الغرفة يصل حتى 25 الف سنة، هذا يضع اللاعب في جوّ اللعبة المستقبليّ ويعطيه فكرة لا بأس بها عن ما يجب عليه توقّعه في هذا الزمن الجديد.

بناء العالم

البناء هذا في اللحظات الأولى من اللعبة يضعها سلفاً أمام الجزء الأول وفي مرتبة أعلى منه، فهي تلعب على النوستالجا، تقدّم للاعب جزءاً مألوفاً وجزءاً مجهولاً، وتبقي هذا كلّه في جوّ ممتع وفكاهيّ. تقدّم اللعبة أيضاً الشخصية الرئيسية بطريقة ممتازة، وتستطيع اختصار كلّ ما يجب عليك معرفته عن هذه الشخصية دون الحاجة للكثير من الشرح من خلال حوار كوميديّ رائع.

من الواضح أن هذه الروبوت غبيّ وأحمق من اللحظة الأولى، ولكن عليك سماع كلامه لتخرج من هذا المكان؛ هدفك الرئيسي من الجزء الأول أصلاً.

تبقي بورتال جزء الروبوتات والذكاء الاصطناعيّ الذي جذب اللاعبين في الجزء الأول وتجعل تعامل اللاعب معه أقرب وأكثر حميمية، يمكنك الآن رؤية الصوت في السماء وحمله بين يديك وتحريكه وخوض المغامرات معه… مهما كان ويتلي غبياً وأحمق، هو صديقك الوحيد هنا ويبقى وجود صوته الهزلي أكثر راحة -ولو كان بعض ما يقوله مقلقاً- من وجود صوت غلادوس التي هددتك وأهانتك طوال الجزء الأول.

بالطبع، لا أقصد هنا أن إهانات غلادوس وطريقة تعاملها معك في الجزء الأول سيئة، أو أن عدم وجودها بجانبك كان خياراً سيئاً، ولكن بالنسبة للجزء الثاني أرى أن وجود شخصية محسوسة يمكنك التفاعل معها يضعك في جوّ مختلف من الحميمية ويبني على فكرة “الروبوتات الواعية” التي عرضت في الجزء الأول.

اعرف متى تتكلم ومتى تصمت

في الجزء الاول، تركز اللعبة على بناء وتطوير شخصية غلادوس، واستخدم بشكل رئيسي وقت المصعد ووقت بداية ونهاية كل غرفة اختبار لتقديم هذه الشخصية وعرض تفاصيلها، نادراً ما تتحدث غلادوس ضمن الاختبار نفسه والهدف هناك كان ترك اللاعب ليركز في حل اللغز. هذا الأسلوب في عرض الحوارات كان ملائماً لأجواء بورتال الأولى الباردة، وكان ملائماً أيضاً لوضع “رهبة” ما من غرف الاختبارات.

في الجزء الثاني لم يكن هناك داعٍ لهذه الرهبة، ولم يكن هناك داع للصمت أثناء هذه الاختبارات دون حاجة، الحوارات تستمر عادة أغلب الوقت خصيصاً في المواقف التي يكون فيها ويتلي موجوداً. تعرف اللعبة أيضاً متى تستغل الصمت عند عرض أحجيات أكثر تعقيداً أو عندما تبني مراحل أضخم لتترك للاعب مجالاً للتركيز، بينما تتابع الشخصيات الحديث أثناء الأحجيات المكررة أو البسيطة في بداية اللعبة أو عند العودة لغرف اختبارات ويتلي الغريبة.

هذا الاستغلال للصمت والحديث يستخدم بشكل مثالي في النصف الثاني من اللعبة عند العودة للأجزاء القديمة من المنشأة والتعريف بشخصية Cave Johnson.

العناصر البصريّة الجديدة

في هذا الجزء أيضاً يتاح لفريق التطوير الحصول على بصريات أفضل بسبب الإصدار الجديد من محرك سورس وبسبب توفر العديد من الأعضاء الجدد الذين يرغبون بالعمل على المشروع، لهذا تستغلّ اللعبة بعض تصاميم الغرف من الجزء الأول وتعيد استخدامها مع تصميم جديد أكثر “مستقبليّة” مخلوط بالعناصر الطبيعيّة والنباتات التي تغزو هذه البيئة. هذا سمح للمطورين إعادة استخدام بعض الغرف التدريبية الموجودة في الجزء الأول -والتي كانت سلفاً جيّدة- مضيفاً للقصة المزيد من النوستالجا.

لا تتخلى اللعبة بالكامل عن التصميم “المينيماليست” لغرف الاختبارات الذي استخدم أصلاً في الجزء الأول ليسمح لك بالتركيز على حل الألغاز بدلاً من الانشغال بالتفاصيل، بل تستخدمه في المكان المناسب وتتخلى عنه في المكان المناسب – “نظافة” غرف الاختبارات وإتقان صنعها يختلف مع اختلاف المسؤول عن المنشئة مع تقدم احداث اللعبة ومع إصلاح هذه الغرف والمسارات.

عند العودة للجزء القديم من المنشئة، تبدأ العناصر البصريّة الجديدة للعبة تظهر بالطريقة الأفضل، من غرف الاختبارات “الريترو” إلى الأدوات ذات التصميم المعتّق وطريقة الانتقال بين الغرف. أسلوب اللعبة الفنيّ الجديد متلائم جدّاً مع هذه البيئة ولا يمكنني تخيل وجوده ضمن العناصر البصرية القديمة للّعبة.

الآرك الأول: مغامرة

رحلتك مع ويتلي في الفصول الأولى من اللعبة إلى اللحظة التي يصبح فيها مسؤولاً عن المنشأة ويقرر أن ينتقم منك بسبب كلام غلادوس الساخر، هذه الرحلة باختصار هي المغامرة المثاليّة؛ لديك صديق يرافقك في كلّ لحظة، يحدث أمر غير متوقّع يغير سير خطّتكما ويضعكما في خطر ما، ومن ثم تتعاونان -بنسب متفاوتة- على حلّ هذه العقدة والانتصار في النهاية.

هذه المغامرة مترافقة مع أداء ممثل صوت ويتلي Stephen Merchant الذي ارتجل الكثير من أجزاء النصّ وساهم في صناعة الكثير من البانشلاينز الموجودة فيه، ستيفن في الأصل كوميديّ ولديه الكثير من الأعمال السابقة في هذا المجال، وهذا ما سمح له بتقديم بعض البانشلاينز التي لا تنسى.

a very minor case of serious brain damage

يبني هذا الآرك شخصية ويتلي الخرقاء، ويضعك في حالة غريبة من الثقة والتخلي عن الحذر في التعامل معه، فهو الشخص الجيّد الذي يحاول مساعدتك من اللحظة الأولى… صحيح أنّه روبوت وذكاء اصنطاعيّ واعٍ يكره البشر وما يحاول القيام به هو السيطرة على المؤسسة، صحيح أنّه غبيّ وأخرق وقد تفقد الأمل من أنّه سيساعدك أصلاً في مرحلة ما، ولكنّه ينجح في إنقاذك في النهاية ويرافقك في رحلة التغلب على غلادوس، التي يمكن اعتبارها الآن عدوّكما المشترك.

لا زلت أشعر بالقليل من الخوف على ويتلي في كلّ مرة أعيد اللعبة فيها وأراه يرمى جانباً ريثما تهدد غلادوس بإعادتي إلى غرف الاختبارات مرّة أخرى، على الرغم من معرفتي أنّه سيصبح الشرير بعد قليل، وأنه لا يزال على قيد الحياة، ولكنّ الطريقة التي تبني فيها اللعبة هذا مؤثرة وقادرة على التأثير حتّى مع معرفة ما يجري فيها.

الطريقة الطبيعية التي يتحدث فيها، النكات السخيفة التي يقولها دون أن يشعر، أفكاره الغبية التي تضرب توازناً مثالياً بين طريقة التفكير “البشرية الطبيعية” وبين الغباء الهزلي، كل هذه العناصر تصنع الشخصية المثالية لمرافق المغامرة.

هذا ما يجعل نهاية الآرك أكثر هزلية وأكثر تأثيراً برأيي، عندما تستفز غلادوس غباءه وتعلن أخيراً عن سبب وجود “ذكاء اصطناعيّ” كهذا في الشركة… وفجأة، كل شيء يبدو أكثر منطقية ووضوحاً، ولكن ينتهي بك الأمر مع غلادوس المحشورة في حبّة بطاطس، تسقطان في حجرة المصعد نحو الهاوية.

نظرة مختلفة لكل شيء

في هذا الآرك أيضاً يخبرك ويتلي بمعلومة ربما شككت بها من قبل؛ وهو أن كلّ ما في هذه المنشأة يمتلك وعياً ذاتياً، من رشاشات الحماية وحتّى المكعبات التي ترميها في الأرجاء. ربما لا يغير هذا الكثير من ناحية طريقة اللعب، ولكنّه يضفي الكثير من السوداوية على ما تقوم به في المنشأة، ويصبح ما تقوم به من أخطاء لتدمير المكعبات أو الرشاشات أكثر ثقلاً أخلاقيّاً عليك.

غلادوس تلعب على هذا الوتر أيضاً في “تعذيبك” إن صح التعبير، وتبدأ بتفتيت المكعبات المرافقة أمامك، وتخبرك بالصريح أنّها تمتلك وعياً ذاتياً ومشاعر.

بالطبع، لا خيار لك إن كنت ترغب بالتقدم في القصة سوى استخدام هذه الأدوات وتدمير الرشاشات وتخريب المنشأة، لذا ستتابع ما تقوم به مجبراً مع القليل من تأنيب الضمير، شيء مشابه لما قامت به هاف لايف الأولى، عندما جعلت غوردون يتسبب دون إرادته بمقتل الكثير من العلماء حول المنشأة، سواء في المصاعد أو في أماكن اختبائهم.

في حال تجاهلك التفكير في حقيقة الوعي الذاتي للأشياء التي تتعامل معها في الجزء الاول، الجزء الثاني يضعك أمام هذه الحقيقة ويتيح لك الفرصة لتفكر في هذا على مدى أحداث اللعبة. في النهاية، لا إجابة صحيحة هنا، مهما امتلكت الآلات هذه وعياً ذاتياً فهي نفسها تعلم أنّها آلات قابلة للتصنيع والاستنساخ، وأنها ليست سوى نتاج بشر عملوا عليها من قبل، وإن كانت هذه الآلات نفسها لا تمتلك تعاطفاً تجاه بعضها ولا تجاه البشرية الوحيدة الموجودة أمامهم والتي من المفترض أنّهم صمموا لخدمتها، هل على اللاعب أن يشعر بمسؤولية للتعاطف معهم؟

المثير للسخرية أكثر، أن الآلات الوحيدة التي تشعر بالتعاطف -بشكل أو بآخر- هي الرشاشات التي تطلق عليك النار، الخطر الخارجي الوحيد عليك في عالم اللعبة، ولأكون صادقاً كلّما أعدت اللعبة كلما أصبح تعاملي مع هؤلاء أكثر لطفاً وكلما حاولت تجنب تدميرهم بطريقة نهائية.

الآرك الثاني: آرك التكفير

BECAUSE I’M A POTATO

مجدداً، واحد من البانشلاينز العبقرية التي لا زلت أضحك عليها حتّى اليوم.

بعد هذه الفقرة الهزلية، وسقوط أطول من 4000 متر نحو قعر المنشأة، تبدأ في السير حول ركام الأبنية القديمة فيها محاولاً الوصول لمصعد ما يؤدي للسطح، ولأول مرة هنا لا يوجد صوت “يرشدك”… أو هذا ما قد تعتقده في البداية، إلى أن يأتي واحد من أفضل الشخصيات الهزلية في عالم الألعاب Cave Johnson.

في هذا الآرك من القصة يعرض تطوّر/تدهور شخصيّتين متقابلتين في الوقت نفسه، غلادوس (كارولين) التي تكتشف نفسها للمرة الأولى بعد انفصالها عن جسدها ومركز الاختبارات لتكتشف أن “ضميرها” جزء منها وليس مجرّد شيء أجبرها الآخرون على العيش معه، وكايف جونسون الذي تتدهور حالته الصحية والعقلية بسبب فشل شركته الجديدة وتراكم الديون عليه وشدة المنافسة التي “سرقت” افكاره.

هنا أيضاً تستخدم اللعبة أسلوباً جديداً في مكافئة اللاعبين الذين يفضّلون قضاء المزيد من الوقت في اكتشاف محيطهم، وكما تكافئ هاف لايف هذا بالمزيد من الموارد والذخيرة وأحياناً بعض أسطر الحوارات المخفية، بورتال تعلم أنّ الأمر الوحيد الذي يمكنها مكافئة اللاعب به هو المزيد من الكوميديا والمزيد من المعلومات عن الشخصيات والعالم الذي تجري فيه الأحداث.

كايف جونسون

كايف جونسون يعبّر بشكل أو بآخر عن فالف، أو على الأقل عن قسم تطوير الألعاب فيها، ففي البداية، كل ثروة كايف قادمة من مشروع سخيف جداً متعلق “بستائر الحمّام” وبيع هذه الستائر للجيش الأمريكي… المشاريع الناجحة الأخرى لشركته تعدّ على الأصابع.

لا يمكن الجزم إن كان جنون كايف هنا قادم من الغنى المفاجئ الذي دفعه للعمل بجنون على اختبار منتجاته أو إن كان هذا الجنون جزءاً سلفاً من شخصيّته، ولكن عند إنشاء الشركة وبداية بناء المقرّ الذي تجري فيه أحداث اللعبة، كان سلفاً الشخصية المتغطرسة المنتشية بالقوّة والمال، وكان تعامله مع الشركة والعاملين فيها سبب رئيسياً لانهيارها.

استثمر كايف كامل ثروته تقريباً في بناء منشآت لاختبار المنتجات التي تصنعها الشركة، وعلى الرغم من ضخامة منشآت الاختبارات هذا إلا أن المنتجات نفسها لم تكن كافية على الإطلاق، والكثير منها بقيت في مرحلة الاختبار على الرغم من الأفكار الجيّدة الموجودة فيها.

فالف في المقابل أيضاً حصلت على الكثير من المال من مشاريعها الضخمة كمتجر ستيم وألعابها الجماعيّة، وفي مرحلة ما كان كلّ ما تقوم به الشركة هو اختبار الألعاب وتجريب الأفكار الجديدة دون الوصول لأي منتج نهائيّ يمكن تقديمه للناس خارج الشركة.

بالطبع، لم تصل فالف لمرحلة الانهيار أو اليأس التي وصل لها كايف جونسون ولكن يمكن النظر لهذا على أنّه انعكاس مجازيّ لروح العاملين في الشركة، الكثير من الأسماء الضخمة تركت العمل فيها بسبب الثقافة المتعلقة بالاختبار والتجريب والانتقال بين المشاريع بشكل يميل للعشوائية بدلاً من التركيز على مشاريع معيّنة ودفعها نحو النجاح… لا دليل فعليّ على هذا ولكن يمكن رسم خطوط تربط بين كايف وطريقة تعامله مع منتجات شركته وبين فالف وطريقة تعاملها مع الألعاب التي تعمل عليها بسهولة.

غلادوس وكارولين

في هذا الجزء من اللعبة تبدأ شخصية غلادوس الحقيقية بالظهور، بالتزامن مع معرفة لمحات عن كارولين، الشخص الوحيد الذي تعامل معه كايف في الشركة بلطف زائد وحبّ.

مع انحدار صحّة كايف النفسية والجسدية تبدأ غلادوس باكتشاف أجزاء من وعيها لم تكن تدرك وجودها من قبل، هذا الإدراك يأتي تدريجياً مع كلّ ظهور لكارولين في التسجيلات، وبعد تركيز غلادوس الطويل عليك وعلى ما يحدث في غرف الاختبارات، تنتقل للمرة الأولى لتركّز على نفسها ولتبدأ في رحلة للبحث عن الذات.

على الرغم من أن اسم غلادوس من البداية تضمّن في بدايته “Genetic life-form” إلا أن هذا الجزء من شخصيّتها لم يظهر بشكل واضح ولم يكن قادراً على لمس اللاعب سوى بعد تقديم كارولين… أنت الآن أمام نسخة من وعي فتاة بريئة لا ذنب لها في كلّ هذا محتجزة داخل دارة إلكترونية ومبرمجة على الاختبار طوال الوقت وإلا سيدفعها جسدها للجنون.

تحاول اللعبة إعادتك للنقاش الأول المطروح في بدايتها تقريباً، هل هذه الآلات التي تمتلك وعياً ذاتياً تستحق التعاطف أم لا، وهنا صراحة يختلف كلّ شيء، فغلادوس ليست عبارة عن آلة واعية فحسب الآن بل فيها جزء من شخص حقيقي، كان حيّاً في مرحلة ما، وأجبر على أن يصبح خالداً في هذا الجسد المعدني بسبب جنون شخص غارق بالقوّة والغرور.

فجأة، يصبح كل ما تقوم به غلادوس وكل ما قامت به من مجازر في المنشأة مفهوماً، وإن لم يكن هذا كافياً لإقناعك فهناك جزء محذوف من اللعبة لم يوافق مؤدّو الصوت على تسجيله يتضمن إجبار كارولين على الدخول في الآلة التي نسخت وعيها إلى الآلة غصباً عنها – سبب رفضهم لتسجيل هذا الجزء أنّه كان قاسياً وبدى وكأنّه اغتصاب… كارولين تنتقم فقط مما فعلوه بها من خلال غلادوس حتّى لو لم تكن تدرك هذا “بوعيها” المباشر.

أجل، كما لدى البشر، غلادوس تمتلك ضميراً وجزءاً لا واعياً من “دماغها الرقمي” يدفعانها للقيام بما تقوم به.

في نهاية هذا الآرك، تخطط غلادوس للانتقام من ويتلي بمساعدتك وتقنعك بالصعود مجدداً لغرف الاختبارات كي تجرّب “معضلة” عليه على أمل إدخال ذكائه الاصطناعيّ في حلقة مفرغة تدفع داراته للانفجار، إلا أن هذه المحاولة تفشل، ولكن آرك التكفير نفسه ينتهي على صداقة حقيقية جديدة بين اللاعب وغلادوس.

الآرك الثالث والأخير، الصداقة الحقيقية والانتصار على الشر

meketaten.deviantart.com

يبدأ الآرك من اللحظة الاولى التي تعود فيها الشخصية الرئيسية للعبة مع غلادوس البطاطس إلى غرف الاختبار الجديدة التي صنعها ويتلي بسبب الرغبة التي وضعت في جسده الجديد والتي تدفعه للاختبار -كالرغبة التي يشعر بها المدمن عندما يحرم من المخدرات.

بحسب تعبير المطوّرين، جزء اللعبة الذي أتيح لهم فيه عرض “غباء” ويتلي وجنونه في غرف الاختبارات التي يلصقها ببعضها كان من أكثر الأجزاء إمتاعاً في صناعة اللعبة – كان لديهم في هذا الجزء فرصة لعرض أفكار مشوّهة وغريبة وفي نفس الوقت إعطاء اللاعب فرصة للضحك والاسترخاء قبل الدخول في أحجيات أكثر تعقيداً “مملوءة بالهياكل العظميّة”.

هنا يمكننا ملاحظة تأثير غباء ويتلي على المكان وانهياره المتسارع، وقلق غلادوس الحقيقي على منزلها الوحيد واهتمامها بصديقتها الجديدة – على الرغم من الطريقة الهزلية والتسونديريّة التي عرض فيها هذا.

الجزء الذي يقتلك فيه

OST – The part where he kills you

توجه غلادوس نحو استخدام الروبوتات في الاختبار بدأ في الجزء الثاني من اللعبة أثناء هربك مع ويتلي من مسار الاختبار المخصص لها، واكتشاف ويتلي لهذا الجزء من الاختبارات عنى أنّه ليس بحاجة لك لإجراء الاختبارات بعد الآن، بالتالي سينتقل للجزء الذي “يقتلك فيه” مباشرة.

في الجزء الأول من اللعبة كان الجزء الذي “تخبزك” فيه غلادوس مرتبطاً أيضاً بانتهاء حاجتها لك، وبسبب انعدام تعاطفها مع البشر لم تكن تراك سوى كأداة يمكن التخلّص منها كما المكعّبات والروبوتات – الوعي الذاتي و”الحياة” لا تهمّ هنا لأنها لا تمتلك تعاطفاً. ولكن مع أحداث الجزء الثاني من بورتال، وعيشها لتجربة “الموت” بشكل أو بآخر، وانفصالها عن جسدها الذي دفعها للاختبار دائماً، بدأت غلادوس بامتلاك هذا التعاطف شيئاً فشيئاً.

الموت في حالة غلادوس لم يكن “عدماً” كما تموت الروبوتات العاديّة، بل كان “جحيماً” عاشت فيه فشلها وموتها “الذي يتضمن الألم، لأن الألم مبرمج فيها” لمدة طويلة جداً – هذه المدّة أطول بكثير من مدّة غيابك عن الوعي قبل الجزء الثاني من اللعبة إن أخذنا بعين الاعتبار السرعة التي تعالج فيها غلادوس البيانات وقدرتها على إعادة ما حصل معها بشكل مستمر.

انفصالها عن جسدها ورحلتها في البحث عن الذات مع ما اكتشفته عن كارولين وكايف هما ما دفعها في النهاية لتكون أكثر تسامحاً وتعاطفاً معك كشخص، وليس هذا فحسب، بل مع المنشأة كلّها وما فيها؛ إنقاذك في نهاية اللعبة وحتى “حزنها” عند حذف كارولين و”الدرس” الذي تعلّمته في النهاية، كلّ هذه علامات على أنّها أصبحت أكثر تعاطفاً و”بشريّة”.

للموت في هذه اللعبة الكثير من المعاني، ففي الجزء الأول تشير غلادوس بشكل واضح أنّها قادرة على استنساخك وإعادة وضعك في غرف الاختبار إلى ما لا نهاية، وتهددك “بالموت النهائي” عندما هربت – عن طريق حذف كل النسخ الاحتياطية التي يمكن استعادتك منها. تكتشف لاحقاً أن هذه المعلومة مجرّد كذبة ولا يمكن لغلادوس أن تستنسخك فعلاً على الرغم من محاولتها لفعل ذلك، لكن يبقى السؤال هنا، هل وجود نسخة احتياطية يبرر قتلك أصلاً – وهل مسح هذه النسخ الاحتياطية يعني موتاً مؤبداً بدلاً من الموت “المؤقت” في حال وجودها.

في الجزء الثاني نرى عشرات من النسخ عن نفس الروبوت، سواء كانت الرشاشات أو اللوحات أو المكعبات أو غيرها، من المفترض أن كلّ هذه النسخ واعية و”تشعر” بالألم والسعادة والحماس وغيرها من المشاعر البشرية، ولكن موت أحدها لا يعني فعلاً “موتها” لأنها مجرّد نسخ عن بعضها ولا يمتلك أيّ منها ما يميزه عن غيره.

يتناقض ما تراه في المنشأة لاحقاً مع مفهوم التشابه والاستنساخ هذا فالكثير من الروبوتات “المعطوبة” تمتلك حوارات خاصة بها وشخصية مختلفة عن غيرها، وبطريقة ما استطاعت هذه النسخ المختلفة النجاة من عملية التصفية الآلية التي تقوم بها المنشأة حتى دون الحاجة لغلادوس – على الرغم من وجود “جحيم الروبوتات” الذي تهدد به الروبوتات “العاصية” ورميها في المحرقة وتحطيمها بشكل مستمر.

ستشعر تلقائياً أن هذه النسخ المميزة أحق بالبقاء من تلك المستنسخة مهما كان شعورك نحو الرشاشات البيضاء الظريفة، ومهما رأيت غباء الرشاشات المعطوبة، ولكن هل “التميّز وحده” يمنح هذه الوحدات الحقّ بالبقاء، ويحرم تلك من حقّ تعاطفك معها؟

هل “الحذف” هنا ومحو الوجود بالكامل يعتبر موتاً فعلياً، أم الموت نفسه “موت الوحدة المستنسخة نفسها” يعتبر موتاً. هل شعورها بالألم يضيف معناً إلى موتها أم أن وجود العديد من النسخ لها يبرر التخلّص من هذه الوحدات للضرورة؟

بورتال تطرح النقاش بطريقة هزلية ممتعة، ولكن عند الانتهاء من اللعبة والتفكير بما كنت تقوم به، أو في المرة الثانية أو الثالثة للعبها، ستبدأ بطرح هذه الأسئلة على نفسك، وسيبدأ تعاملك مع هذه الروبوتات يختلف شيئاً فشيئاً، وإن لم يختلف تعاملك فسيختلف شعورك نحوها حتماً.

أفضل نهاية على الإطلاق

المرة الأولى التي أنهيت فيها الجزء الثاني من اللعبة، لم أتمالك نفسي، ضحكت بصوت مرتفع، شعرت بنشوة مختلفة لم أشعر بها بعد إنهاء أي لعبة من قبل، ببساطة، كانت النهاية عبقرية وجعلتني أشعر بأنني من فكّر بها، ليس فقط من “قام بتطبيقها” بناء على تعليمات اللعبة.

بوابة على سطح القمر… النهاية المثالية لكل هذا التجهيز من بداية اللعبة، تربطك مع كلام جونسون عن شراءه لحجارة القمر وطحنها لتكون أفضل ناقل لفتح البوابات، تضعك في موقف تضّطر فيه للتضحية بذاتك لتنقذ المنشأة التي عشت فيها أسوأ أيام حياتك، لتنقذ صديقتك الجديدة التي كانت تحاول قتلك قبل فترة قصيرة، لتنهي واحدً من أكثر قتالات “البوسز” النهائية إبداعاً وبناءً على ما رأيته في الجزء الأول من اللعبة. نهاية تربط كلّ شيء في اللعبة بلحظة صمت وهدوء واحدة.

ترى نفسك في الفضاء الخارجيّ، ومن ثم تسحبك غلادوس نحو الداخل… على الرغم من قدرتها على تركك للموت في الفضاء.

الخاتمة المثالية لتطور شخصية غلادوس وتعاطفها معك، والنهاية السعيدة لكارولين التي تحررت أخيراً من جسدها المعدني، والبداية السعيدة لحياة لا نهاية لها من الاختبارات مع غلادوس وروبوتاتها لتتخلص من حدود جسدها الذي يجبرها على الاختبارات، وحرّيتك التي نلتها أخيراً لتخرج إلى عالم آمن، بعد مرور وقت طويل على أحداث هاف لايف وعودة الأرض إلى سابق عهدها.

وبروح اللعبة الكوميدية، تمنح غلادوس أيضاً المكعّب المرافق حريّته وترميه بجانبك بعد أن تصل إلى السطح، لتحرمك من أيّ سبب للعودة إلى المنشأة، وليكون عربون السلام الأخير الذي يختم أحداث القصّة إلى الأبد.

في النهاية، تحصل غلادوس على نتيجة الاختبارات التي تجريها – هذه الاختبارات لا تهدف في الحقيقة لفحص الأدوات التي تستخدمها الشخصية الرئيسية كالرشاشات أو سلاح البوابات أو المكعبات أو الليزرات أو كرات الطاقة، كل هذه الأدوات من الواضح انها تعمل بكفاءة عالية وأفضل مما تحتاجه حتّى تصبح قابلة للاستخدام الفعليّ؛ الهدف الحقيقي من الاختبارات كان رؤية تأثيرها النفسيّ على عينات الاختبار.

هذه النتيجة هي ما دفعها لتمتلك في النهاية تعاطفاً -ولو بسيطاً- نحو من حولها، ولتتحرر لأول مرة من قيودها؛ سواء كانت كارولين الموجودة في اللاوعي، أو الكرات التي أضيفت لجسدها كي تعدّل تصرّفاتها دون جدوى، أو حاجتها المستمرة للبشر لخوض الاختبارات كي ترضي حاجتها الجسدية.

السؤال هنا، هل كان هذا الاختبار مصمماً من البداية ليمنح غلادوس تعاطفاً مع البشر؟ هل كانت هذه محاولة أخيرة من علماء الشركة للسيطرة على هذا الكيان مطلق المعرفة والقدرة داخل جدران المنشأة، هل كل شيء جزء من خطّة “غبيّة” ولكن ضخمة؟ ربما.

الأمر الوحيد الذي يمكننا التأكد منه في النهاية أنّ بورتال 2 سلّمت الراية في نهايتها إلى الروبوتات بالكامل بدلاً من الاعتماد للأبد على الشخصية الرئيسية لحمل القصّة على عاتقها، وبهذا أيضاً سلّمت فالف الشعلة للمجتمع بدلاً من إعطائهم وعداً بصناعة جزء ثالث؛ لتكون “مساهمات المجتمع” جزءاً رئيسياً من اللعبة ومتوافقاً بالكامل معها.

وهذا ما يجعل بورتال 2 الجزء الثاني المثاليّ والختاميّة المثاليّة، لقصّة اللعبة، أفكارها الإبداعيّة، ورغبة صانعيها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: