تطور الشخصيات – سلسلة كتابة القصص [2]

تطور الشخصيات – character development هو العمليّة التي يقوم فيها الكاتب بتغيير آراء ومعتقدات ودوافع وأهداف الشخصيّة التي كتبها في إطار القصّة، مستنداً في ذلك على بناء الشخصيّة الرئيسيّ – characterization والأحداث التي تجري في القصّة.

تكمن أهمّية تطور الشخصيات في قدرة التغيير الذي يحصل لمعتقدات الشخصيات وأفكارها الداخليّة على توطيد ترابط هذه الشخصيّة مع القرّاء والمتابعين، وبهذه الطريقة، تكتسب هذه الشخصيّة المزيد من “الإنسانيّة” في أعينهم، وتعطي القصّة قدرة أكبر على التأثير؛ هذا التأثير هو ما تهدف له القصّة أصلاً وما يسعى إليه الكاتب.

بأيّ حال، قبل بدء الحديث عن تطور الشخصيات، ربما من الأفضل الحديث عن الأشياء الأخرى التي تربط خطأً بهذا المفهوم:

الفرق بين بناء الشخصيّات، نمو الشخصيّات، وتطور الشخصيات

بناء الشخصيّات – Characterization كما ذكرت في مقال سابق، هو محاولة شرح صفات الشخصية، أو بصياغة أخرى: الطريقة التي يعرض فيها الكاتب هذه الشخصيّة في قصّته وكيف تظهر هذه الشخصيّة ضمن القصّة؟ وهل يرغب الكاتب بوجود صفات معيّنة في الشخصيّة أم لا؟

مثلاً، محمد شخص هادئ، عشرينيّ، ذو شعر أشعث، ويحبّ حكّ رأسه كلّما خطرت بباله فكرة عظيمة.

نموّ الشخصيات – Character Growth هو الطريقة التي يظهر فيها الكاتب “التحديثات” على قدرات الشخصيّة الإيجابيّة غالباً، حيث لا يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الأفكار أو المعتقدات الداخليّة، ولا يشير إلى التغييرات السلبية في الشخصية، وإنما فقط التغييرات الإيجابيّة. يتعلق النموّ بقدرة الشخصيات على تحقيق أهدافها من خلال إدراك قدراتها الخاصّة وتنميتها ولا يتعلق بشكل مباشر بتغيير آراءها ومعتقداتها.

مثلاً، اكتشف ديكو أنّه قادر على استخدام قدميه في القتال بعد سنوات من تكسير عظام يديه وأصابعه.

أمّا تطور الشخصيات – character development فهو متعلّق أكثر بطريقة تفكير الشخصية ومعالجتها للأحداث التي تدور من حولها، ولا يقتصر التغيير فيه على تغيير إيجابيّ، بل يتضمن أيضاً التغييرات السلبية وتقلّبات المشاعر. قد يكون هذا التغيير مبنيّاً على كشف معلومات جديدة عن الشخصيّة، أو من خلال تعريضها لمحن واختبارات في القصّة.

مثلاً، أدرك كيريتسوغو في النهاية أنّ الغاية لا تبرر الوسيلة، وأنّ ما آمن بصحّته كان سبب فشله في النهاية.

وهذا يعني أيضاً أنّ دخول الشخصية في علاقة عاطفيّة لا يعتبر تطويراً للشخصيّة، أمّا الطريقة التي تتعامل فيها الشخصيّة مع هذه العلاقة واختلاف أفعالها وردود أفعالها مع تقدّم أحداث القصّة هو ما يعتبر تطويراً للشخصيّة.

ممارسات في تطوير الشخصيات

كتذكير سأضعه في كلّ مقال من هذه السلسلة، الحكم الأوّل والأخير في تحديد جودة أسلوب كتابيّ معيّن هو السياق، ولكن في نفس الوقت، أرى شخصيّاً أنّ بعض الأساليب الشائعة في تطوير الشخصيّات وتزييف تطوير الشخصيّات مملة وغير جذّابة ويمكن الاستعاضة عنها بطرق أفضل وأكثر تأثيراً:

ضخ المعلومات

ضخ المعلومات – infodumping هو رمي المعلومات أمام القارئ دون وضعها في سياق قصصيّ لاختصار الوقت والمساحة، يكون هذا إمّا على لسان الراوي أو إحدى الشخصيات، حيث يسرد أحداث ومعلومات وقصص لا يريد الكاتب الخوض فيها، ويمكن أن يستغلّ الكاتب هذا الأسلوب في تخطّي أجزاء من القصة بحسب الحاجة.

يمكن استغلال ضخ المعلومات في تطوير الشخصيّات، وهو برأيي من أسوأ طرق استخدام الضخّ، حيث يقوم الكاتب بتضمين “تطوّر الشخصيّة” كجزء من حكاية الشخصيّة، ويعتبر هذا التضمين كافياً لربط الشخصيّة مع القارئ.

مثلاً، تبدأ القصة بحديث عن تاريخ أحمد، الشخصيّة الرئيسية، وكيف أنّه كان شخصاً مرحاً وسعيداً، ولكن تغيّر كلّ شيء بعد وفاة والده.

المشكلة في ضخّ المعلومات عند الحديث عن تطور الشخصيات هو أنّ الضخ يعتمد على الاختصار، أمّا بناء الشخصيات فهو موضوع يعتمد على الإطالة والتدريج على مدّة طويلة من الزمن، التفاعل بين القارئ والشخصية ومعرفته المتزايدة عنها هو ما يجعل تغييرها مؤثراً فيهم، وليس التغيير نفسه.

بديل ضخّ المعلومات هو الاعتماد على فترة طويلة من الزمن في تراكم نقاط تؤدّي للتغيير، ومرافقة القارئ لهذا التغيير وفهم أسبابه والأحداث التي أدّت له مع تقدّم القصّة، قبل الوصول إلى اللحظة الحاسمة التي يظهر فيها التغيير بشكل واضح بين الحالة الأولى للشخصية والحالة الأخيرة لها.

محو العيوب

محو العيوب – flaw scrubbing هو ببساطة إزالة عيوب موجودة في الشخصيّة دون أيّ مقدمات لإيهام القارئ بتطوّر هذه الشخصيّة، هذه الممارسة معبوس عليها بشكل عام في كتابة القصص وتجنّبها هو الحلّ، ولكنها برأيي ترتبط بشكل جذريّ مع مشكلتين ثانيتين أقلّ وضوحاً:

الحديث عن التغيير دون إظهاره

مثلاً، تقول مرام (شخصيّة جانبيّة) أن أحمد (الشخصية التي يرغب الكاتب بتزييف تطويرها) قد تغيّر كثيراً منذ بداية مغامرتهما معاً في جبال الألب.

ولكنّ أحمد لا يزال يواجه المشاكل بنفس العقلية وبنفس الطريقة ولم يغيّر أيّاً من معتقداته، مرام فقط تقول هذا ليوهمنا الكاتب أنّ أحمد قد تغيّر. قد يمكن لمرام أيضاً أن تشير إلى صفة ما لم تعد موجودة، لا علاقة لها بطريقة تفكير أحمد، ككونه أصبح يبتسم مثلاً، بدلاً من إظهار تأثير تفكيره الإيجابيّ على أحداث القصّة وقراراته فيها.

الأفضل هنا إظهار التغيير بدلاً من الحديث عنه، ويكون هذا من خلال تقديم خيارات ومعضلات على الشخصية حلّها، وإثبات التغيير يكون عن طريق حلّ هذه المعضلات بطرق مختلفة تثبت اختلاف طريقة تفكيره.

المحو والإعادة لنفس العيوب بشكل متكرر

مثلاً، تخلّص أحمد من طيبته الزائدة وأصبح أكثر صلابة وواقعيّة، ولكنّه عاد لطيبته بعد أن تعرف على مرام، التي أيقظت الحنان مجدداً في داخله، ثم عاد لصلابته بعد أن ماتت مرام، ولكنّه عاد لطيبته عندما تعرف على مريم التي أيقظت فيه الحنان المجدداً.

التكرار يجعل القارئ أقل ارتباطاً بالشخصيّة، ويجعل تأثير هذا الاختلاف أقلّ وأقلّ، ويفقده الثقة بالكاتب بسبب استثماره العاطفيّ الأوليّ بالشخصيّة وارتباطه مع تطوّرها الأول وخيانة هذا الارتباط بإعادة الشخصيّة للخانة الأولى.

الأسلم هو تقديم معضلات ومحن جديدة للشخصية، والبناء على ما تم تطويره في الأجزاء السابقة من القصة، بدلاً من إعادة استهلاك الفكرة ذاتها.

نقاط التحوّل

تطور الشخصيات
House MD

نقاط التحوّل – Turning Points هي النقاط التي يتغير فيها مسار القصة بشكل جزئي أو كلّيّ، ويمكن أن تكون نقطة التحوّل خاصة بتطور الشخصية أو سير الأحداث أو أجواء الرواية أو جميعها معاً. في حالة تطور الشخصيات، يمكن اعتبار نقاط التحوّل سيفاً ذا حدّين، فهي طريقة جيّدة للتأثير على القارئ وإظهار التغيير الذي جرى على مدى أحداث القصّة في حدث محوريّ هامّ ومؤثّر، ولكنّها أيضاً تضع القصّة في خطر التفكك، وعدم البناء المناسب للوصول إلى نقطة التحوّل يعطيها تأثيراً عكسيّاً.

المشكلة الأكبر التي يمكنني الإشارة إليها بخصوص نقاط التحوّل هو عندما تعاكس تماماً ما كانت تبنيه القصّة من البداية بدلاً من استغلال هذا البناء، وهذا ما يدفع القرّاء والمتابعين للاستغراب، ليس بطريقة إيجابيّة، بل بطريقة سلبيّة.

قد يكون هذا الاستغراب إيجابيّاً عندما يقدّم للقارئ معلومات إضافيّة تبرر هذا التغيير وتناقضه مع معطيات القصّة الأولى، وربما بقدرة كتابيّة جيّدة يمكن للكاتب إنقاذ القصّة فيها أو حتّى إخراجها بتأثير أكبر على المتابع، ولكن إن كان التغيير مناقضاً للتوقعات، ولم يكن له تبرير مناسب، فالتأثير السلبيّ شبه مضمون.

مثلاً، أحمد من البداية يحاول أن يسافر خارج وطنه، وطوال القصّة أثناء جمعه المال وعمله في مدن مختلفة بهدف جمع المبلغ اللازم للسفر، يلاحظ جمال الحياة وتبدأ رغبته في السفر بالتناقص والاختفاء إلى أن يصل إلى نقطة تحوّل عندما يجمع المبلغ اللازم للسفر، وفي تلك اللحظة تماماً، يقرر الكاتب أنّ أحمد سيسافر بأيّ حال، دون تبرير، ويتابع القصّة أو ينهيها دون الحديث عن سبب سفر أحمد.

يمكن تجنّب هذه المشكلة بوضع أحمد في صراع ذاتيّ، بين الوطن والحياة المستقرّة فيه، وبين المهجر والفرصة الجديدة فيه، وإيصاله إلى نقطة تسمح بظهور قرار السفر، حتى لو كان هذا الصراع معروضاً في القصّة بعد حادثة السفر نفسها، وحتّى لو مرّ عليه الكاتب بطريقة سريعة، سيكون باستطاعته إنقاذ القصّة.

خلاصة

لكل نوع من القصص طريقة خاصة لتطوير الشخصيّات فيها، ويعود الأمر في النهاية إلى السياق وما يرغب الكاتب عرضه في القصّة، لا تحتاج كلّ القصص تغييراً جذريّاً للشخصيّات، ولا تحتاج كلّ القصص معضلات أخلاقيّة محيّرة.

يجب القول أيضاً أن تطوير الشخصيّة لا يتم باتجاه واحد فقط، ولا يكون نحو هدف واحد فقط، وإنما -كما في الحياة الواقعيّة- تؤثّر التغييرات على كلّ الصفات وكل الأفكار بنسب متفاوتة، وعند إضافة هذا التأثير إلى الشخصيّة يجب أخذ كلّ صفاتها بعين الاعتبار.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: