توقف عن اللاربينغ

أثناء تصفّحك للشبكة، ستجد نوعاً من الناس -وربما تكون أحدهم- يطرحون أفكار ووجهات نظر وآراء، سياسيّة أو اجتماعيّة، تدفعك للاستفسار جدّياً إن كانت تلك الأفكار فعلاً ما يؤمنون به أم لا، وإن كانوا “جدّيين” بما يقولونه أم هو مجرّد دور يمثّلونه على الشبكة.

حسناً، في الطرف الآخر من الشبكة، عند الناطقين بالانجليزيّة، هناك مصطلح يعبّر عن هذا. وحان وقت إحضاره للزاوية العربية من الإنترنت.

اللاربينغ أو “لعبة لعب الأدوار في الحياة الواقعيّة” هو نوع من ألعاب لعب الأدوار يشارك اللاعبون فيه جسدياً لتمثيل شخصيّاتهم وتطبيق أحداث حبكة اللعبة بينهم. هذا النوع من الألعاب يتضمّن أحياناً تمثيلاً دراميّاً للأحداث، وانغماساً كاملاً في الأدوار التي عيّنها المشاركون لشخصيّاتهم الوهميّة التي يلعبونها، في محاولة للحصول على أكبر انغماس ممكن من اللعبة.

Live action role-playing game – Wikipedia

على الإنترنت، تستخدم هذه الكلمة كمصطلح استهزائيّ لوصف من يحاول لعب دور شخص منتسب إلى ثقافة أو فكر معيّن على الشبكة، دون أن يؤثّر هذا “اللعب” على حياته فعلاً؛ كمثقّفي الكنبة، ونسويّي الكيبورد، وأمثالهم.

الهدف من الاستهزاء هذا هو توضيح المبالغة التي يقوم بها هذا الشخص في محاولة تمثيل الدور، والإشارة لكون هذا الشخص “عليه أن يكون لاربينغ” لأنّ كونه يتحدّث بجدّية أمر خارج عن المعقول، ومن المفترض أنّ هذه اللكمة المجازيّة كافية ليعي هذا الشخص ما يقوم به، ويدرك الشرخ بين البيرسونا التي خلقها لنفسه على الشبكة، وبين حياته الواقعية.

اللاربينغ في هذا السياق يتطلّب -تعريفاً- وجودَ هذا الشرخ، وعليه تبنى السخريّة الهادفة للإيقاظ في عبارات “أنت لاربينغ – لا بدّ أنك لاربر – توقّف عن اللاربينغ” وغيرها. أما من يطبّق بالفعل ما يمثّل على الإنترنت على حياته الواقعيّة، كمن يشارك في المظاهرات والندوات والاجتماعات – فهو تعريفاً ليس لاربر بالمعنى الحقيقيّة للكلمة، ولكنّ الشتيمة قد توجّه له بقصد إظهار مبالغته أيضاً.

باختصار، الشتيمة “أنت لاربر” تستخدم لتوعية شخص يبالغ في آراءه لدرجة لا يمكن لشخص عاقل أن يكون جدّياً باعتناقها. أمّا اللاربر، فهو بالتعريف شخص منفصل عن واقعه. وبينهما تقاطعٌ طبعاً.

اللاربينغ بين السخرية والجدّية

وبهذا، يمكن الحديث عن نوعين من الناس يرتبط بهم مصطلح اللاربينغ -كشتيمة- على الشبكة؛ النوع الأول يقوم بالتمثيل دون وعي بأنّه “يمثّل ويلعب الدّور” وبالتالي تكون الشتيمة نذير إيقاظ لما آل إليه مآله. والنوع الثاني يقوم بالتمثيل ساخراً، ويدخل لدوائر النوع الأول محاولاً دفع الأفكار التي يطرحونها إلى أقصى حدودها، وتمثيل أقصى المبالغات التي تخطر ببالهم عند الحديث عن أفراد تلك الدوائر.

المشكلة هنا، أنّ هذا النوع من الممارسات الساخرة، وبسبب الطريقة التي تبنى فيها دوائر الانترنت هذه والطريقة التي يتعامل فيها هؤلاء الساخرون من المحتوى وتعمّقهم في لعب الدور، يتحول هذا النوع مع الوقت من ممارسة ساخرة، إلى ممارسة جدّية، ولتبدأ الأفكار التي يسخرون منها تتسرب إلى معتقداتهم الحقيقيّة شيئاً فشيئاً.

سبب هذا التأثّر هو أنّ دوائر الإنترنت الفكريّة هذه -خصوصاً السياسيّة والاجتماعيّة منها- تعمل على “تربية” أعضاءها على أنماط فكريّة معيّنة، وتكرار هذه الأنماط وما يترتب عليها، حتّى بطريقة ساخرة، يؤصّل الطريقة التي يعمل فيها هذا الفكر لدى الشخص الساخر، وإن لم يكن الشخص قادراً على “ترك الدور” الذي يلعبه، يمكن لهذا النوع من التأثير الفكريّ أن ينتقل من كونه لاربينغ؛ أي أمراً منفصلاً عن حياته الواقعيّة، إلى تأثير حقيقيّ على حياته، كأن يبدأ بارتياد الندوات والمظاهرات، وفي أسوأ الحالات تنفيذ الأعمال الأرهابيّة دفاعاً عن الفكر.

الغطاء الساخر والمازح حول هذا النوع من الفكر، هو ما يضفي صعوبةً على ممارسه -للسخرية بدايةً- في إدراك تأثيره، وهنا أيضاً يفترض للشتيمة أن تكون دافعاً للإيقاظ، أو طريقة لقول “لعبتك مكشوفة” لإعادة هذا الشخص إلى الواقع.

لماذا لم تسمع بهذه العبارة من قبل؟

إن لم تشهد أحداً يردّ على رأيٍ مبالغٍ فيه لدرجة السخف بقوله “You’re larping” فهذا يعني أنّك بعيدٌ عن المجتمعات الرقميّة التي ينتشر فيها هذا النوع من الممارسات؛ المجتمعات السياسية والسياسيّة الاجتماعيّة الناطقة بالانجليزيّة، خصوصاً تلك التي تتضمن أفراداً مجهولي الهويّة، كريديت و4-تشان وبعض زوايا تويتر.

في الزوايا المقابلة لتلك باللغة العربية، هذا العبارة غير موجودة بعد، ولكنّها مهمّة برأيي، فهي ليست “شتيمة” فحسب، بل طريقة لإيقاظ الطرف المقابل، لتذكيره بالواقع وانفصاله عن شخصيّته التي صنعها لنفسه على الشبكة، ولردّه إلى وعيه بهذه المفارقة الكوميديّة الساخرة.

اترك ردّاً

%d مدونون معجبون بهذه: