مُلاحظات حولَ تعلُّم الكتابة

كنت قد انتقدت سابقاً -وما زلت عند كلامي- أصحاب المقالات والمساقات والفيديوهات التعليميّة التي تَعِد بتعليم الكتابة، عبر حركات وممارسات يوميّة مكررة، وبخوارزميّات مدروسة مفصّلة ومصمّمة لتجعلك “كاتب العصر” الجديد، وبرّرت حينها كلامي هذا أنّ الكتابة ليست مجرّد “خطّ” يرسم ويرمى جانباً؛ بل أسلوب تفكير كامل، على من يحمل على عاتقيه مهمّة تعليمه أن يكون على قدرٍ كافٍ من المسؤولية ليدرك أنّ ما يحثّ الناس عليه تسطيح لأداة عظيمة، وتسفيه لأسلوب تفكير متشعّب ومعقّد.

ولكن مجرّد إنكار هذه المواد التعليميّة لا يكفي، فهو لا يقدّم حلّاً للمشكلة التي لطالما وجدت في نفسي أثرها كلّما مررت عليها؛ لوعظي الآخرين بخوض طريق عثر، أعلم نفسي مشقّته، وأتجنّبه لحساسيّته وخطورته، وهذا ما أريد تغييره بمقالي هذا.

مدفوعاً بتجربة خضتها مع أحدهم، لينتقل من كتابته جملاً مشتتة لا تصبّ في أيّ موضوع، إلى مقالات طويلة يصف فيها ما يجول بخاطره بدقّة ودون تكلّف، قررت دراسة المراحل التي مرّ بها في طريقه، وتحديد العقليّة التي عاش فيها كلّ مرحلة – العقليّة المقصود بها هنا “أسلوب التفكير بأسلوب التفكير (الكتابة)”.

ولا أخفي أنّ الحديث عن هذا قد يعقّد بعض الأمور البسيطة ظاهريّاً، ولكن أضع هذا المقال أولاً بين يدي من يهدف لتعليم الآخرين، ثم بين يدي من يرغب بالتعلّم بنفسه.

الدافع والهدف

ما يجب إدراكه واستيعابه قبل كلّ شيء، أنّ لكلّ شخص دافعه الخاص للكتابة وهدفه الخاصّ منها؛ وما يجعل تعليم الكتابة مهمّة صعبةً أساساً هو كونها ترتبط ارتباطاً فرديّاً ومباشراً بكلّ متعلّم، وكونها تعبّر عن جزء من ذاته، يجب على المعلّم احترامه وعدم تدنيسه بدوافع وأهداف مصطنعة ومفتعلة.

مهمّة المعلّم هي العثور على الدافع الصحيح واستغلاله، وفهم الهدف وإيضاحه للمتعلم حتى لو كان يعتقد أنّه يدركه؛ فجواب سؤال “لماذا تكتب؟” سيختلف -ويجب أن يختلف- مع انتقال المتعلّم من مرحلة للأخرى، ومع إتقانه الأسلوب تلو الأسلوب، والأداة تلو الأداة.

ولكن، يجب النّظر للكتابة ككلّ على أنّها وسيلة لإخراج ما في نفس الكاتب إلى الورق -بغضّ النظر عن ماهيّته- وإيصاله للقارئ المتلقّي بأفضل طريقة ممكنة خالية من الشوائب والنواقص، وفهم هذه الفكرة المحوريّة عن الكتابة أمر أساسيّ ليكون المتعلّم قادراً على رسم هدف ودافع خاصّ به.

عليه أن يدرك أولاً “لماذا وُجِدت الكتابة؟” قبل أن يحدد الهدف الشخصيّ من استخدامها. وهذا يترتب عليه أيضاً أن يدرك ما يمكن ولا يمكن للكتابة إنجازه، حدودها وميّزاتها، نقاط ضعفها وقوّتها. وكلّ هذا يكون عبر التجربة والخطأ، ولا يمكن “سرده” في نقاط وبنود واضحة وقاطعة.

ما يمكن للكتابة تقديمه لي، مختلف تماماً عمّا يمكن للكتابة تقديمه لشخص ذي ذائقة شعرية، أو شخص ذي وعي وإدراك ذاتيّ أشدّ أو أقلّ حدّة من ذاك الموجود عندي، أو شخص أكثر فكاهةً أو ذكاءً منّي، فكلّ واحد من هؤلاء قادر على استخدام الكتابة لإيصال ما في داخله، بمحدوديّات وميّزات مختلفة عمّا لديّ.

الكتابة تعتمد في أساسها على شخصيّة الكاتب؛ وكما يختلف أسلوب الحديث والنقاش حسب أصل المتحدث وثقافته، يختلف أسلوب الكتابة باختلاف خلفيّة ممارسها. والخطوة الأولى ليكون الكاتب قادراً على فهم ذاته من خلال النصّ، هي أن يدرك أهميّة إتقان اللغة التي سيكتب بها، فهي الأداة التي ستنقل أفكاره للعالم الخارجيّ، وبقدر اتّساعها ستتّسع قدرته على التعبير والوصف بوضوح ودقّة.

وهاتان العمليّتان -إتقان اللغة وفهم الذات- عمليّتان مستمرّتان على مدى حياة الشخص، مكتسبتان بالممارسة والتدريب، ولا يولد أحد متقناً لهما من بطن أمّه.

بالمختصر، ليكون المتعلم قادراً على رسم هدف ودافع للكتابة عليه أن يفهم ذاته عبرها، وليكون قادراً على ذلك، عليه العمل على تطوير فهمه للّغة التي يكتب بها، ومتقبّلاً لكون هذه العمليّة مستمرّة طوال حياته وقادراً على التعايش مع ما يعنيه هذا.

الصبر

إن كان فهم الذات هو الدرس الأوّل الذي تقدّمه الكتابة للراغب بتعلّمها، فالدرس الثاني هو الصبر حتماً.

لأن الكتابة مرتبطة بشخصيّة الكاتب، ولأنّها وسيلة لإخراج أفكاره إلى النور، يصعب على الكثير من الكتّاب فهم حقيقة أخرى مهمّة بخصوصها؛ وهي كونها وسيلةً ناجعة لمعالجة الأفكار ذاتِها -لا مجرّد إخراجها إلى العلن- ولتقويمِ ما في هذه الأفكار من خلل قبل وأثناء وبعد الكتابة.

التخلي عن فكرة ما -مهما بدت سطحيّة- أو تصحيحها وفهم الخطأ فيها، أمر شاق لكونها مرتبطة بطريقة تفكير الكاتب ارتباطاً محوريّاً ولاعتقاد الكثير من الكتّاب أنّ الكتابة مجرّد وسيلة لإخراج الأفكار فحسب، ولكن على الراغب بتعلّم الكتابة أن يدرك -بأقرب فرصة- أنّ هذا “الانتخاب الفكريّ” لما يجول في ذهنه ضروريّ إن كان يرغب بتحقيق فائدة ممّا يكتب، ليس لقرّائه فحسب، بل لنفسه أيضاً.

هذا المفهوم، أي التخلّي عن الأفكار الشخصيّة وتقويمها، مرتبط بالكتابة ارتباطاً وثيقاً بكافة أنواعها عبر مفاهيم المسودّات والتدقيق والتحرير والتنسيق، واعتناقه والاعتياد عليه قد لا يكون سهلاً على الجميع. وذلك لما ذكرتُه من أنّ ارتباط الكتابة بالجانب الشخصيّ يصعّب هذه النظرة.

مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ التطرف في التخلّي عن الأفكار أو التطرف في البحث عن الكمال والهوس في تتبُّع الحقيقة المُفضي إلى المبالغة في الشكّ والتردُّد، كلاهما مؤذٍ، وأنّه على الكاتب ضرب طريق بين هاتين الضفّتين بما يناسبه وما يتوافق مع أهدافه التي حدّدها سابقاً.

الصبر هذا على طبيعة الكتابة الرتيبة هذه -كمحاولة فهم الذات من خلالها- ليس عمليّة تتمّ مرّة وينتهي الكاتب منها، بل هي أسلوب تفكير عليه الاعتياد عليه وإتقانه مع الوقت.

الصبر أيضاً جزء من حقيقة أنّه مهما وازن الكاتب بين هذين الحدّين، ومهما كان بارعاً ومعتاداً على تهذيب أفكاره وتنميتها، سيبقى هناك أحدٌ أكثر خبرة منه في أحد المواضيع التي تطرّق لها، وآخر لن يعجبه المواضيع التي يرويها، وآخر لن يعجبه الأسلوب أو الصياغة، وآخر لن يعجبه الكاتب نفسه، هكذا دون مبررات. وقد يكون هؤلاء أو أحدهم، الكاتب ذاته في المستقبل.

القراءة

إن كان عليّ اختيار النصيحة الأكثر تكراراً دون فائدة في مساقات ومقالات وكتيّبات تعليم الكتابة -ومنها كتيّب “تعلّم التدوين” الذي نشرته أنا سابقاً- فسأختار حتماً هذه النصيحة. نصح المتعلم الجديد بالمزيد من القراءة كنصح شخص يلعب لعبة فيديو بأن “يحاول ألّا يموت”؛ كلاهما يصرّحان ببديهيّة لا طائل من ذكرها هكذا دون سياق.

النقطة الأولى التي يجب فهمها بخصوص القراءة، لمعلّمي الكتابة قبل متعلّميها، أنّ القراءة جزء محوري جداً من حياة أيّ فرد في هذا العصر؛ شبكات التواصل الاجتماعيّ -أغلبها- تعتمد اعتماداً أساسيّاً على المحتوى المقروء وهي وسيلة نشر الأخبار الأساسيّة الآن، كذلك المدوّنات والمنتديات والمنصّات الإخباريّة وغيرها، والمحتوى المكتوب لن يختفي قريباً. وسيلة التواصل الرئيسية منذ سنوات هي تطبيقات المراسلة الفوريّة بكافة أنواعها، وكلّها تعتمد على النصوص بشكل أساسيّ.

ما أريد قوله هنا هو أنّ “قلّة القراءة” ليست المشكلة.

النقطة الثانية، قراءة النص الجيد -أو السيئ- لا قيمة له إن لم يكن لدى المتعلّم القدرة على التمييز بينهما وفهم ميزات ومشاكل كلّ منهما والاستفادة منها في ما يكتبه هو، لذا نصيحة مثل “اقرأ النص الجيّد وتعلّم منه” أو “اقرأ نصوص كاتبك المفضّل وتعلّم منه” مهما بدت منمّقة وذكيّة، هي في قلبها نصيحة كتلك التي ذكرتها في البداية، بديهيّة لا طائل من ذكرها دون تقديم المزيد من السياق.

ما أريد قوله هنا هو أنّ “قراءة نوع معيّن من النصوص” ليست المشكلة.

المشكلة الرئيسيّة التي على القراءة الكثيفة حلّها هي “القدرة على تحليل النص المقروء وفهم نقاط ضعفه وقوّته” وهذه المشكلة لن تحلّ بالإلحاح والعناد فحسب، بل بالتأني والصبر وفهم الذات؛ على القارئ أن يفهم النصّ ذاته أولاً، يتعلم منه ما أراد الكاتب إيصاله، ثم النظر إلى النصّ نفسه بعين ناقد غير عين المتعلّم التي قرأ بها النصّ لأوّل مرّة.

إن لم يتخطّ القارئ مرحلة المتعلّم من النص، واكتفى بفهم محتواه فحسب، دون محاولة نقده “كنصّ” و”كوسيلة لإيصال الأفكار” فلن يكون قادراً على استخدام قراءته هذه في تعلّمه للكتابة.

ما يجب على الراغب في تعلّم الكتابة هو فهم الطريقة التي كتب بها هذا النص، والطريقة التي يعمل فيها كلّ جزء منه نسبة للجزء الذي يليه ويسبقه، ويفهم أنّ تفاعل هذه الأجزاء مرتبط بطريقة تفكير الكاتب، وأنّ طريقة التفكير هذه تنتقل لا عبر “المعلومة” التي ينقلها النص، بل عبر طريقة نظم الأفكار نفسها. وفهم طريقة تفكير كاتبٍ ما، سواء كان “جيداً أم سيئاً” بنظر المتعلّم، مفتاح جيّد ليفهم نفسه، وما يفضّله ويكرهه، وليكون أكثر قدرة على إخراج أفكاره الخاصّة إلى العالم.

وما يجب معرفته أيضاً هو أنّ القراءة ليست فقط طريقة “لتشرّب” الأساليب اللغوية، فهذه الطريقة في تعلّم اللغة لا تنفع وحدها، كما لا تنفع الكتب والدلائل الإرشاديّة والكتيّبات والمتون في تعليم اللغة وقواعدها وحيدة أيضاً؛ ما ينفع هو الربط بين هذين الأمرين، لتكون القراءة معيناً على فهم القواعد اللغوية، ولتكون القواعد اللغوية معينة على فهم معنى النص وطريقة بنائه.

وهذا يقودنا لنصيحة مكررة أخرى يساء استخدامها عادةً.

قواعد اللغة

كما أسلفت، القراءة ودراسة قواعد اللغة أمران يجب تلازمهما، ولو أنّه من الممكن -نظرياً- فصلهما وتحقيق استفادة لغوية وفكريّة من كلّ منهما وحده، إلّا أنّ هذا الفصل قد يضع المتعلم في حيرة وينسيه سبب وجود كلّ منهما؛ تعلّم قواعد اللغة جزء من أهداف القراءة، وفهم النص والقدرة على صياغته جزء من أهداف تعلّم قواعد اللغة. ولهذا التوفيق بينهما مهم، ولا يخفى على أحد هذا عادةً.

ولكن هذا ليس كلّ ما يمكن لدراسة قواعد اللغة تقديمه للكاتب، فهي أيضاً أداة تساعده في فهم نفسه أكثر، لأنّها مرتبطة بتأسيسه ونشأته وثقافته، والتوسع فيها سيتيح له فرصة الاطّلاع على أجزاء أخرى غير تلك التي كان على تواصل مباشر معها طوال حياته، هذه الأجزاء تشترك معه بهذه اللغة، ولكن تختلف في طريقة معالجتها واستغلالها. 

دراسة القواعد والمسائل اللغوية والنحو تتيح للمتعلّم فرصة الاطّلاع على زمان ومكان آخرين غير زمانه ومكانه، وتتيح له فهماً أفضل لخصائص نشأته واختلافها عن نشأة غيره، وتساعده على الموازنة بين “خصوصيّته” اللغوية وقواعد اللغة التي يكتب بها.

كما أسلفت في عدّة مواضع في هذا المقال، لكل جزء من أجزاء عمليّة الكتابة تأثير على طريقة تفكير متعلّمها، وهذا ما يجب التركيز عليه، طريقة التفكير، لا الممارسات بذاتها.

التنفيذ

وهنا مربط الفرس، إن كان كلّ ما ذكرته سابقاً حديث عن “طريقة التفكير” المرتبطة بالكتابة، فأين التنفيذ؟

لا يهمّ -جدّيّاً- بأيّ طريقةٍ وترتيبٍ تنفّذ الخطّة التعليميّة، طالما كان السبب وراء كلّ ما تقوم به كمتعلّم، وكل ما تنصح به كمعلّم، مفهوم وواضح ضمن سياق تلك الخطة. وهذا بذاته -أي فهم العمليّة، لا مجرّد القيام بها- جزء من أهداف الكتابة. 

ولكن ما يمكن الحديث عنه في سياق التنفيذ -كما في بقيّة فقرات مقالي- هي الأفكار المؤذية التي أرى الكثير من المعلّمين ينشرونها، سواء كانوا كتّاباً معروفين ينصحون من يرغب بتعلّم الكتابة من قرّائهم، أو مدرّبين يحاولون تعليم تلاميذهم الكتابة، أو من لديهم نظريّات عن الكتابة -مثلي- ويحاولون نشرها.

قيادة المتعلّم 

مفهوم “قيادة المتعلّم” الذي يتبجّح به الكثير من المعلّمين في دوراتهم، وما هو في الحقيقة إلّا تعمية للمتعلم، يحاول حفر عمق زائف وهالة مبهرجة يرسمها المعلّم حول ذاته وكأنّه يفهم كلّ شيء، وأنّ المتعلّم الجاهل عليه المشي خلفه كما يأمر حتّى يصل للنيرفانا الكتابيّة التي يعده بها. هذا الأسلوب في تجهيل المتعلّم عن الأهداف الحقيقيّة للممارسات، والتركيز على أنّ “إدراك الهدف يأتي بعد إتقان الممارسة” كما في فيلم “ذا كاراتي كيد”، يفترض الكثير من الافتراضات الخطأ عن المتعلّم دون محاولة فهمه كشخص مستقلّ عن غيره، وهذا بحدّ ذاته مصيبة، فضلاً على تعارضه بشكل مباشر مع كون الكتابة طريقة للتعبير عن الأفكار.

نصائح مثل “عليك تكرار كتابة هذا النص عدداً محدداً من المرّات قبل الانتقال لغيره” أو “عليك قراءة هذا الكتاب عدداً محدداً من المرّات قبل الحديث عنه” أو “عليك أن تجد كاتبك المفضّل وتحاول تقليد أسلوبه” أو أيّ نصيحة تغري المتعلّم بتنفيذ أمر ما بحجّة أنّ هذا الأمر وصفة سحريّة لتعلّم الكتابة، دون ذكر الهدف من هذه الممارسة، وطريقة التفكير المرتكزة عليها؛ هذه النصائح وأمثالها لا تحمل قيمة سوى قيمتها الغذائيّة لغرور المعلّم، أمّا بالنسبة للمتعلّم فهي حيرة فوق حيرته، وضياع فوق ضياعه.

لا يجب على المعلّم قيادة المتعلّم عند الحديث عن الكتابة، بل عليه أن يوضّح له “كيف تعمل” ويتركه ليقود بنفسه. 

لا يجب عليه أن يعمّيه عن هدف الممارسات، بل عليه شرحها له بأوضح طريقة ممكنة كي يكون قادراً على تنفيذها والاستفادة منها.

تعلّم الأنماط الكتابيّة

وهذا خلط ينتشر جداً في أوساط صنّاع المحتوى على الإنترنت، تحديداً المتخصصين منهم والخبراء في تلك التخصصات (ولا يقتصر عليهم فحسب، لكنّه فيهم أكثر ظهوراً اليوم)؛ وهو أنّ “تعلم كتابة المقالات للإنترنت” مثلاً، عبر الحديث عن شروطها وتقنيّاتها ومصطلحاتها، أمر ينوب عن تعلّم الكتابة بالمطلق أو في أحسن الأقوال “يعتبر مقدّمة جيّدة فيها”. وهذا خطأ.

هذا ما نراه أصلاً في كثير من المدوّنين المتقنين لحرفة الكتابة لمحرّكات البحث، القادرين على تقديم مقالات مثاليّة عندما ينظر لها عبر تلك العدسة، ولكن تأثير تلك المقالات وتلك النصوص على طريقة تفكيرهم معدومة، وقدرتهم على تطويع تلك النصوص لتقديم قيمة حقيقية للقارئ شبه معدومة، وهذا ما يقودنا للحكم بأنّ معرفتهم تلك ليست عن “الكتابة بالمطلق” بل عن “ذاك النمط الكتابيّ بعينه”.

يبقى القول إنّ “تعلُّم نمط كتابيّ يساعدك على تعلّم الكتابة” أقرِبَ للصواب من القول إنّ “تعلُّم نمطٍ كتابيّ هو تعلّم الكتابة نفسُه”، وإن كنت أنا لا أرى ذلك.

يمكنك تعلّم نمط كتابيّ ما من خلال دراسة قواعده، ويمكنك حتّى العمل وجني المال اعتماداً عليه، دون أن تكون كاتباً جيّداً بالمطلق، ودون أن تتقن المهارة الأساسيّة التي تعلّمك إيّاها الكتابة؛ وهي طريقة التفكير. 

يمكنك أن تكسب الكثير من القروش عبر تعلّم أسلوب كتابيّ كروبوت آخر مربوط بالشبكة، ولكن لن تكسب “قرشاً فكريّاً” واحداً من هذا.

الهيكليّة المطلقة

لِبِنَى النصوص الجاهزة دور أساسيّ في تسهيل عمل الكاتب، خصوصاً عندما يكون هذا عمله الرئيسيّ المعتمد على مواعيد تسليم محددة و”كوتا” عليه كتابتها كلّ فترة، ولكن هذه الهياكل والاعتماد عليها ومعرفة ما يناسبها ولا يناسبها من الأفكار أمر يحتاج الخبرة – شيء لا يمتلكه المتعلّمون الجدد، ولهذا يجب عليهم تجنّب الاستعانة بها أو البحث في طرق لصناعتها، على الأقلّ في الفترة الأولى من تعلّمهم.

سبب ذكري لهذه النقطة هو اعتماد الكثير من المعلّمين ما أسمّيه أسلوب “الهيكلة المطلقة” في خططهم التعليميّة، وهو تقديم أكبر قدر ممكن من الهياكل الجاهزة التي صنعوها أو تعرّفوا عليها أثناء ممارستهم للمتعلّم الجديد بحجّة اختصار الجهد عليه، متجاهلين أنّ هذه الهياكل لا تنطبق بحذافيرها أبداً على أيّ شيء، وأن الخبرة عامل ضروري في معرفة طريقة عملها ومكان استخدامها وأسلوب تطويعها لإيصال المعنى المطلوب.

المشكلة في هذا أنّ “الهيكليّة المطلقة” هذه تصبح -بديهيّاً- أسلوب تفكير لدى معلّميها ومتعلّميها، وتظهر بوضوح في محاولاتهم لفهم بنية النص ومعناه، وتؤثّر أيضاً على أسلوب كتابتهم حتّى بعد اكتساب خبرة كافية لكتابة نصوص حرّة، وتدفعهم للبحث دائماً عن قالب أو صناعته عند عجزهم عن العثور عليه، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع مفهوم الكتابة كطريقة تفكير وتعبير عن الذات.

هذه العقليّة -أي عقليّة المؤمن بالهيكليّة المطلقة- موافقة تماماً لعقليّة الباحثين عن الطرق المختصرة في كلّ شيء، فهي مجرّد طريقة ليبرر الكاتب هذه الاختصارات أمام نفسه، وليقنع نفسه أنّ ما يقوم به ليس “اختزالاً للكتابة” في هياكل يمكن لأيّ روبوت استخدامها في بناء نصّ مشابه، بل “اعتماداً على أبحاث ونتاج أفكاره ومن سبقوه”. 

السبب الوحيد الذي لا تزال “الكتابة” آمنة بسببه من غزو خوارزميات الذكاء الاصطناعي أنّها لا تعتمد أصلاً على هياكل محددة، وكلّ محاولات حصرها في ذاك الصندوق تعود علينا بنصوص يمكن للناظر من بعيد تمييزها على أنّها مخلّقة خوارزميّاً، لا نصوص قادمة من أشخاص حقيقيّين.

لو كان نصّك قابلاً للتخليق من قبل آلة، فكل ما تعلّمته عن الكتابة هو “هياكل” خاوية، لا أكثر.

خلاصة

إن لم تلحظ سلفاً ما أحاول الإشارة له في كلّ نقاط هذا المقال، فسأضعها أمامك مباشرة؛ هذا المقال يهدف لإرشادك لطريقة التفكير التي عليك اعتناقها -برأيي- كي تحقق الفائدة الكبرى من تعلّمك الكتابة، مركّزاً على أهمّ النقاط التي يتجاهلها أو يجهلها أو يسيء فهمها الكثير من المدربين والمعلّمين، وهو في قلبه أيضاً عرض بسيط للطريقة التي أرى بها الكتابة، ومحاولة لإيصال هذه الصورة بأوضح طريقة ممكنة لمن يرغب في خوض نفس الطريق، لا عبر عبارات طنانة ونصائح واسعة لا تغني من جوع، بل عبر مفاهيم واضحة مبررة، وأرجو أن أكون قد وفّقت في هذا.

ساعد في كتابة هذا المقال الكثير من الأصدقاء، ولكن أخصّ بالشكر أحمد الذي صبر معي أياماً طويلة في تحريره ونقاشه قبل أن يرى النور.

اترك ردّاً

%d مدونون معجبون بهذه: