الكليشيه – سلسلة كتابة القصص [3]

الكليشيه – cliche هي أيّ أداة قصصية يتم استخدامها بشكل متكرر في أعمال عدّة لدرجة اعتياد المتابع أو القارئ عليها، يمكن أن تكون هذه الأداة متعلقة ببناء العالم، بناء الشخصيات، طريقة سير الأحداث، أو حتّى أفعال الشخصيات وحواراتها.

الكليشيه بتعريفها اللغويّ الأوسع تتضمن حتّّى العبارات الشائعة التي يستخدمها الناس لإيصال فكرة طويلة بعدد مختصر من الكلمات، كالأمثال الشعبية أو التعبيرات المجازيّة. ولكن حديثنا سيقتصر هنا على السياق القصصي لاستخدام المصطلح.

يمكن القول أن الكليشيه -بحسب تعريفها- موضوعٌ نسبيّ تماماً بسبب صعوبة رسم الحدود حول مفهوم “التكرار” الفضفاض، فقد تكون أداة قصصية أقلّ شيوعاً أو أكثر شيوعاً في أنواع وتصنيفات معيّنة من القصص، وقد تكون معروفة ومنتشرة ومكررة في فترة زمنية دون الأخرى، وقد تكون معروفة لدى شخص له اطّلاع أوسع على المجال، ومجهولة عند متابع آخر يرى العمل لأوّل مرة.

لهذا السبب، الكليشيه مصطلح يعتمد على معرفة الشخص المتحدّث، وليس مصطلحاً قابلاً للتقديم على أنّه حقيقة مطلقة، ما قد تعتبره كليشيه، قد يكون أمراً إبداعيّاً لشخص آخر.

بالطبع، كلّما ازدادت معرفة أحدهم في مجال فنيّ ما، كلّما كان أكثر قدرة على الاقتراب من الحقيقة بآراءه، وهذا ما يجعل الناس تستمع لآراء النقّاد على سبيل المثال، فهم أكثر قدرة -بسبب معرفتهم الأوسع- على ملاحظة العناصر المتكررة والمتشابهة، ومعرفة إن كان استخدامها قد أثّر سلبياً على العمل أم لا.

هل الكليشيه بنفسها أمر سيء

ما يجب الاتفاق عليه في البداية هو أنّ السبب الذي يدفع أداةً قصصية بعينها لتصبح كليشيه وليستخدمها الكثير من الكتّاب لإيصال أفكارهم، هو أنّ هذه الأدوات ناجحة في إيصال فكرةً ما، وهو الهدف الرئيسيّ من كتابة القصص أصلاً.

  • عندما تنجح أداة كتابية باحتواء كمّية كبيرة من المعلومات في مكان واحد، فهذا سيجذب المزيد من الكتّاب لاستخدامها.
  • عندما تستخدم هذه الأداة بنجاح، لن يلاحظ الكاتب أنّها كليشيه أصلاً وسيتأثّر بها أسلوبه الكتابيّ دون أن يلاحظ.
  • بما أنّ هذه الأدوات الكتابيّة ناجحة ومثبتٌ نجاحها، استخدامها في الأعمال التجاريّة أكثر شيوعاً، لأنّها تضمن العائد على الاستثمار بنسبة ما في نظر الممولين.

الطريقة التي تستخدم فيها الكليشيه هي ما يقرر إن كان وجودها في العمل ضارّاً أو لا، وبشكل عام، معرفة إن كانت الكليشيه ناجحة أم لا موضوع نسبيّ تماماً كتعريفها.

مشكلة الكليشيهات

من يقرأ لي بانتظام أصبح معتاداً على عنونة مقالاتي -أو ربما بعض الفقرات الفرعيّة فيها- بطريقة مشابهة لعنونة هذه الفقرة؛ “مشكلة كذا” أو “مشكلتي مع كذا”، وعندما أفعل هذا أضع نفسي -بإرادتي- في طريق لتحويل هذا التعبير إلى كليشيه.

الخطر من هذا هو نفس الخطر تقريباً من استخدام أيّ كاتب لأي كليشيه في أعماله:

  1. سيعتقد البعض بأنّ التكرار هذا قادم من جفاف في الإبداع، فاستخدام أداة بشكل متكرر بدلاً من ابتكار تعابير جديدة -وهو ما يُتوقّع من الكاتب الإبداعيّ عادةً- يشير إلى هذا الجفاف.
  2. سيشعر البعض أنّهم يعرفون سلفاً ما سأقوله، وهو ما يسلبهم من إحساس “المفاجأة السارّة” التي يتوقعونها من القراءة. بالطبع يمكنني استغلال هذا الانخفاض في التوقّعات لتقديم معلومة مفاجئة تعيد حماسهم للقصّة، ولكن على حساب المخاطرة بفقدان اهتمامهم تماماً إن لم تنجح هذه المفاجأة.
  3. قد يتوقّف البعض عن القراءة أو المتابعة بسبب وجود الكليشيه حتّى قبل الوصول إلى الهدف أو المغزى منها.

باختصار، الخطر من الكليشيه هو احتمال اعاقتها قدرة الكاتب على إيصال أفكاره للمتابعين بأفضل شكل، وهذا يتعارض بشكل مباشر مع الهدف من كتابة القصص.

وهذا يضع أمامنا السؤال التالي:

متى تساهم الكليشيه في إيصال فكرة الكاتب للمتابعين؟

وهنا تبدأ الأمور بالتداخل. فلا إجابة فعليّة لهذا السؤال سوى ضمن سياق ظهور الكليشيه نفسه وطريقة استخدامها ومدى نجاح الكاتب في استغلالها. الهدف هنا هو استغلال شعور المتابعين بالألفة تجاه الكليشيه، وبنفس الوقت تقديم شيء جديد قادر على إبهارهم ومفاجأتهم بما يكفي ليجعلهم مرتبطين بأحداث القصّة بما فيه الكفاية لإنهائها.

سأذكر أحد أكثر الكليشيهات شهرة، وبعض الأعمال التي نجحت أو فشلت في استغلالها.

كليشيه قصص التحقيقات

في الحقيقة، هناك مستويان مختلفان للكليشيهات في قصص التحقيقات، الأوّل على مستوى الجريمة الواحدة، والثاني على مستوى القصّة بأكملها في حال كانت مكوّنة من عدّة جرائم.

على مستوى الجريمة الواحدة

يبدأ الكاتب أولاً بشرح ظروف الجريمة، ينتقل بعدها إلى مرحلة جمع الأدلّة، ومن ثم الوصول للمجرم المحتمل، وبعدها الوصول للمجرم الفعليّ، واختتام الجريمة بدرس أخلاقيّ ما. باختصار، هذه البنية موجودة لأنّها طريقة حصول التحقيقات على أرض الواقع، واستخدامها أدبيّا منطقيّ لمحاكاة الواقع وهي مقبولة بشكل عام.

تتضمن هذه الكليشيه الكبيرة العديد من الكليشيهات الصغيرة التي قد تتواجد أو لا تتواجد في بعض الأعمال، كأن يتم كشف الحقيقة للمحقق في لحظة اكتشاف – Eureka يكتشف فيها المحقق الحل والربط بين الأدلة بسبب حدث عرضيّ في سياق القصّة، ويكون هذا قريباً لنهايتها عادةً. أو أن يعترف القاتل بتفاصيل جريمته بعد كشف الأدلّة التي تدينه.

ربما خطر لك أثناء حديثي عملين أو ثلاث أعمال على الأقل تستخدم هذه البنية على مستوى الجريمة الواحدة، ربما المحقق كونان، CSI بكافة أجزاءه، وحتى MD House الذي تحدّثت عنه سابقاً في هذا السياق. شيرلوك هولمز، واحدة من أشهر الروايات القصصية -ومن أفضلها بنظري- تتضمن هذه البنية، وربما تكون من أوائل السلاسل القصصية التي استخدمت هذا البناء، في الحقيقة، شيرلوك هولمز أسست نمط الشخصيّة – Archetype المدعوّ “شيرلوك هولمز” الذي أصبح كليشيه بنفسه.

في هذه الحالة، يمكن تمييز الأعمال الناجحة بتلك التي لم تنجح من خلال بقاء الناجحة في الذاكرة على أنّها “الأعمال الأصليّة” كالمحقق كونان وشيرلوك وهاوس، ووصم أشياء مثل Hawaii five O أو NCIS أو CSI بأنّها أعمال مكررة على الرغم من وجود صفات خاصّة بكلّ منها تجعلها “مميزة” عن غيرها بما فيه الكفاية، ولكن هذا التمييز لم يكن كافياً ليعطيها مكانة عند المتابعين.

يمكن القول أنّ التفرد بأمر ما بما فيه الكفاية هو الحل، فكما يتميّز كونان بكونه رسوماً متحرّكة، وبشخصيّة كونان نفسه ومعضلة جسده الصغير، وكما يتميّز شيرلوك بأنّه “أب” أعمال التحقيق، وكما يتميّز هاوس بأنّه شيرلوك هولمز الأمراض والأوبئة، على عمل جديد يعتمد على هذه البنية أن يتميز بصفة جديدة.

من الأعمال الجديدة التي تميّزت بما فيه الكفاية لتضع نفسها على قائمة أعمال التحقيقات المفضّلة لديّ في الآونة الأخيرة، أنمي The Billionaire Detective، هذا العمل لا يتميز فقط بكونه يقدّم طريقة جديدة لحلّ الجرائم باستخدام المال والنفوذ، بل يضع ثلاث شخصيّات مختلفة لكلّ منها أسلوبه ونظرته عن التحقيق، ويختبر مثاليّاتهم ومعتقداتهم من خلال أحداث القصّة. هتان الإضافاتان كانتا كافيتين بالنسبة لي لاعتباره “عملاً منعشاً” في هذا التصنيف، على الرغم من اعتماده البنية الأساسيّة نفسها لأيّ عمل بوليسيّ آخر.

في الطرف المقابل، عمل جديد مثل Kabukicho Sherlock يفشل رغم محاولته بأن يكون متميّزاً، لأنّه يعتمد أكثر على الصفات الغريبة – Quirks بدلاً من إدخال عنصر مختلف حقيقيّ يؤثر على سير أحداث القصّة. الشخصية الرئيسية في Kabukicho Sherlock لديه صفات غريبة تميّزه عن غيره من المحققين، ولكن طريقة معالجة القصّة للأفكار لا تضع أيّ تجديد على البنية القديمة.

على مستوى الخطّ القصصيّ كاملاً

الخطّ القصصيّ – Arc هو مصطلح خاصّ بالأعمال القصصية المجزّأة، كالمسلسلات أو الروايات المصوّرة أو الأنمي أو الروايات متعددة الأجزاء، حيث يجمع الخطّ القصصي مجموعة من أجزاء القصّة المتتابعة للوصول لهدف معيّن، من الممكن أن تتداخل الخطوط القصصية ويبدأ بعضها قبل انتهاء الآخر، والمعتاد في الأعمال المستمرّة لفترات طويلة هو بدء الخطّ الجديد في نهاية الخطّ القديم.

في أعمال التحقيقات الخطّ القصصي العام يكون معتمداً على ثلاث عناصر رئيسية، الأوّل هو فقرات التعريف بالشخصيات وجريمة أو هدف كبير موجود عند هذه الشخصيّات، الثاني هو الجرائم الصغيرة التي تحلّ في كل جزء من أجزاء القصّة، تساهم هذه الجرائم عادة في الوصول إلى حل الجريمة الكبيرة التي تم التعريف بها في البداية، ومن ثم الجزء الأخير وهو عرض الجريمة الكبير، وكيف ساهمت هذه القضايا الصغيرة في حلّها.

أشهر الآركات في عالم الجريمة، آرك شيرلوك ومورياتي، يعتمد بنية مشابهة جداً للمذكور باختلافات طفيفة.

في أغلب الأحيان، الطريقة التي يتعامل فيها العمل مع الخطّ القصصي هي ما يحدد قدرته على النجاح أو الفشل برأيي، فالحلقات العشوائيّة ليست جذّابة بقدر الخطّة الأكبر أو الهدف الأكبر الذي يسعى له البطل، ويمكن ذكر The Mentalist كأحد الأعمال التي اعتمدت على الخط القصصي الجذّاب جداً في إبقاء المتابعين مهتمّين – هذا بالإضافة إلى صراع الشخصيّة الرئيسية ورحلته في البحث عن ذاته (والتي هي بدورها كليشيه بالمناسبة، ولكنّها مطبّقة بطريقة جيّدة هنا.)

خلاصة

الكليشيه أو الأدوات الكتابيّة المكررة ليست سيئة أو جيّدة بحدّ ذاتها، وإنما طريقة استخدامها هي التي تقرر ذلك، هناك الكثير من الأعمال المبنيّة على أفكار كليشيهيّة أو تتضمن أحداثاً أو مسارات قصصية أو شخصيّات كليشيهيّة ولكنّها تنجح في نفس الطريقة بجذب المتابعين عن طريق استغلال هذه الكليشيهات بالطريقة الصحيحة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: